أظهر استطلاع رأي حديث أجرته شبكة “سي إن إن” الأميركية تراجعًا واضحًا في مستوى الدعم الشعبي الأميركي، وخصوصًا بين صفوف الديمقراطيين، للحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ أكثر من عشرة أشهر.
فقد أشار الاستطلاع إلى أن 59% من الديمقراطيين أصبحوا يطالبون بتقليص الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، مقارنة بـ44% فقط في استطلاعات سابقة. وهو تحوّل لافت يحمل دلالات عميقة على مستوى السياسة الداخلية الأميركية، ويعكس التبدلات الحادة في الرأي العام نتيجة استمرار جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين، والتي أصبحت يوميًا على شاشات الأميركيين من خلال تقارير أممية وصور مؤلمة تنقل حجم المجازر والتجويع الممنهج.

الديمقراطيون والقطيعة المتزايدة مع الاحتلال
التحوّل في مواقف الديمقراطيين ليس وليد لحظة، بل هو نتيجة تراكمات مستمرة منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، لكنه تسارع بشدة خلال الأشهر الأخيرة مع ازدياد المجازر ضد الفلسطينيين وظهور تقارير دولية تتهم الاحتلال بارتكاب جرائم إبادة جماعية. صور الأطفال الجوعى، والجثث المتناثرة أمام مراكز توزيع المساعدات، والمجازر التي تُرتكب بدم بارد، دفعت بالعديد من الديمقراطيين، سواء من النخبة السياسية أو القاعدة الشعبية، إلى مراجعة مواقفهم.
السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، أحد أبرز وجوه التيار التقدمي داخل الحزب، حذر من أن الاستمرار في دعم حكومة نتنياهو المتطرفة سيؤدي إلى فقدان الصلة مع القواعد الانتخابية، قائلاً إن “انتقاد الحكومة الإسرائيلية لا يعني معاداة إسرائيل”. وساندرز ليس وحيدًا؛ فقد انضم إليه السيناتور برايان شاتز الذي عبّر بوضوح عن رفضه القاطع لمجاعة غزة، معتبرًا أن “نتنياهو يجعل الإسرائيليين واليهود في أنحاء العالم أقل أمانًا”، في إشارة إلى أن السياسات الإسرائيلية لم تعد تعبّر حتى عن مصلحة اليهود أنفسهم، بل هي امتداد لتطرف يميني يهدد الأمن العالمي.
هذا الخطاب الجديد داخل الحزب الديمقراطي يعكس قطيعة متنامية مع النموذج التقليدي للدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، ويمثل مقدمة لتحوّلات سياسية ربما تشهدها مواقف الكونغرس وحتى البيت الأبيض، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، والتي سيحتاج فيها الديمقراطيون إلى تعبئة القواعد الشابة والليبرالية التي أصبحت أكثر وعيًا بالقضية الفلسطينية وأكثر رفضًا للتواطؤ الأميركي مع الاحتلال.
الفجوة تتسع بين الديمقراطيين والجمهوريين
رغم أن الاستطلاع أظهر بقاء الدعم الجمهوري لإسرائيل أعلى نسبيًا من الديمقراطيين، إلا أنه هو الآخر شهد تراجعًا من 68% إلى 52%، وهو تراجع غير بسيط في بيئة سياسية لطالما اعتُبرت قلعة صلبة للدفاع عن إسرائيل. ويعكس هذا التراجع أن المزاج الشعبي الأميركي –حتى داخل قواعد الحزب الجمهوري– بدأ يتأثر بتكرار مشاهد الجرائم والمذابح، خاصة بعد تقارير عن استهداف جيش الاحتلال للمدنيين العزل قرب مراكز المساعدات، ومشاركة متعاقدين أجانب يعملون ضمن ما يُسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” في إطلاق النار على الفلسطينيين المجوّعين.
إن هذه الأرقام تكشف عن اتساع الفجوة السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين في ما يتعلق بالموقف من إسرائيل، وتؤكد أن الموقف من الحرب على غزة بات معيارًا للانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة. فقد بات واضحًا أن تأييد الحرب ليس فقط قضية تتعلق بالسياسة الخارجية، بل أصبح شأنًا داخليًا يمسّ ضمير الناخب الأميركي، ويرتبط بالقيم الليبرالية التي يتغنّى بها الحزب الديمقراطي.
فشل الاحتلال في إخفاء جرائمه وتحرك فلسطيني يفكك السردية الصهيونية
منذ بداية العدوان على غزة، راهن الاحتلال على استراتيجية الحصار والتجويع لكسر إرادة المقاومة، لكنه فشل في ذلك وواجه تحوّلات في الرأي العام العالمي، وعلى رأسه الأميركي. ففي حين كانت الدعاية الصهيونية تزعم أن الحرب تهدف لتدمير “الإرهاب”، باتت التقارير الحقوقية والشهادات الميدانية تؤكد أن الاحتلال يشن حرب إبادة تستهدف المدنيين بالدرجة الأولى، مستخدمًا المساعدات كسلاح، حيث استشهد أكثر من 1500 فلسطيني في محيط مراكز التوزيع وحدها، منذ مايو/أيار الماضي، وفق تقارير الأمم المتحدة.
ولا يمكن فصل هذا التراجع في الدعم الأميركي عن تصاعد الحراك الشعبي الفلسطيني وتوثيق المجازر والانتهاكات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل. لقد لعبت الرواية الفلسطينية دورًا محوريًا في فضح الاحتلال، مستفيدة من وسائل الإعلام البديلة والمنظمات الحقوقية الدولية، وهو ما جعل السردية الصهيونية تفقد قوتها التقليدية، وتدفع بالرأي العام الأميركي نحو الشك والمعارضة، خاصة بين الشباب والناخبين التقدميين.
واشنطن على مفترق طرق
تشير نتائج استطلاع “سي إن إن” إلى أن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل لم تعد محصنة كما في السابق، وأن التبدلات العميقة في الرأي العام قد تفرض تغييرات في الاستراتيجية الرسمية إذا أرادت واشنطن الحفاظ على صدقيتها الدولية وارتباطها بقيم حقوق الإنسان.
كما أن التحوّل داخل الحزب الديمقراطي يضع إدارة بايدن أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في الدعم غير المشروط وتحمّل تبعاته داخليًا وخارجيًا، أو تعديل السياسات بما ينسجم مع الرأي العام والوقائع الميدانية. في كلتا الحالتين، فإن الاحتلال الإسرائيلي بات اليوم أكثر عزلة، ولم يعد يحظى بتلك الحصانة التي مكّنته لعقود من الإفلات من المحاسبة.
اقرأ أيضًا : اعتصام أمام السفارة المصرية في تونس رفضاً لغلق معبر رفح.. وناشطون يتوعدون بالتصعيد