في قلب العاصمة الأمريكية، واشنطن، ارتفعت أصوات المحتجين مساء الثلاثاء تنديدًا بما وصفوه بـ”تواطؤ الإعلام الأمريكي” في التغطية المنحازة لحرب الإبادة الجماعية التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة. المظاهرة، التي نظمت أمام مقرات وسائل إعلام شهيرة مثل “NBC” و”Fox News”، لم تكن فقط احتجاجًا على التغطية الإعلامية، بل على نهج سياسي وإعلامي أمريكي منحاز لطرف الاحتلال، متجاهلًا دماء عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، في مقدمتهم الأطفال والنساء.
جاءت اللافتات صادمة في وضوحها: “الإعلام يكذب، غزة تموت” و”أوقفوا تواطؤ الإعلام في الإبادة الجماعية”، لتختصر واقعًا مأساويًا يكشف العلاقة الوثيقة بين ماكينة الإعلام الأمريكي ودوائر النفوذ السياسي والعسكري في تل أبيب.
![]()
الإعلام الأمريكي.. شريك في الجريمة
منذ بدء العدوان الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023، برز انحياز الإعلام الأمريكي بشكل فاضح، ليس فقط من خلال التعتيم على جرائم الاحتلال، بل عبر استخدام لغة تجميلية تحرّف الحقيقة. الصحفية والناشطة “حزامي برمدا”، منظمة الوقفة، عبّرت عن هذا الغضب قائلة: “وسائل الإعلام الأمريكية تتعامل مع المجازر على أنها حوادث منفردة، وتستخدم تعبيرات مراوغة مثل (الناس يتضورون جوعًا) بدلاً من القول إن (إسرائيل تجوّع الناس عن قصد)”.
هذا التلاعب بالألفاظ ليس تفصيلًا لغويًا بريئًا، بل هو امتداد لدور سياسي تمارسه المؤسسات الإعلامية في أمريكا، التي تخضع – وفق المحتجين – لهيمنة لوبيات داعمة لإسرائيل، وتمارس الرقابة على الصوت الفلسطيني، وتغيب الرواية الحقيقية للمجازر والجرائم الموثقة في غزة.
الإعلام الأمريكي لم يكتفِ بالصمت، بل لعب دورًا نشطًا في تزييف الوقائع، وترويج السردية الإسرائيلية حول “حق الدفاع عن النفس”، رغم وجود دلائل دامغة على تعمّد الاحتلال استهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومخيمات النزوح. وحتى الآن، لم يُسلّط الضوء بشكل كافٍ على مجازر مروعة مثل مذبحة مجمع الشفاء، أو قصف قوافل الإغاثة، أو استهداف فرق الدفاع المدني.
إدارة ترامب الثانية.. حماية للإبادة وتجاهل للعدالة الدولية
رغم الإدانات الدولية الواسعة، والتقارير الحقوقية التي تؤكد ارتكاب الاحتلال جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، فإن الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، واصلت دعمها الكامل وغير المشروط لتل أبيب.
ترامب، العائد إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، عزز العلاقات مع حكومة الاحتلال المتطرفة، ورفض تنفيذ أو احترام أي قرار صادر عن محكمة العدل الدولية أو مجلس الأمن يتعلق بوقف الحرب، وواصل تزويد إسرائيل بالسلاح والغطاء السياسي والإعلامي في كل محفل.
يُحمّل المحتجون ترامب مسؤولية مباشرة عن استمرار المجازر، بسبب سياساته المتطرفة، وتماهيه مع الرواية الإسرائيلية، بل وتجاهله الكلي لنداءات حقوق الإنسان، واعتباره الأصوات المنتقدة لإسرائيل بأنها “معادية للسامية”، في خلط متعمّد بين الانتقاد السياسي واتهامات الكراهية.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الأمم المتحدة عن مجاعة في غزة، ووجود ما يزيد عن 9 آلاف مفقود تحت الأنقاض، معظمهم من النساء والأطفال، فإن إدارة ترامب تُصر على اعتبار ما يجري “شأنًا أمنيًا إسرائيليًا داخليًا”، رافضةً أي مساعٍ دولية لوقف إطلاق النار أو حماية المدنيين.
مظاهرة واشنطن.. بداية لكسر جدار الصمت؟
الوقفة التي نُظمت في واشنطن، وإن كانت محدودة في عدد المشاركين، إلا أنها تحمل دلالات مهمة. أولها أن قطاعات متزايدة من الأمريكيين، خصوصًا الشباب والناشطين الحقوقيين، بدأت تدرك حجم الخديعة الإعلامية والسياسية التي يمارسها النظام الأمريكي حيال القضية الفلسطينية.
رفع المحتجون لافتات تتهم الإعلام بالتواطؤ ليس مجرد فعل رمزي، بل هو دعوة لكسر الصمت، وتوجيه الأنظار نحو مسؤولية الإعلام في تغذية خطاب الكراهية والتبرير للجرائم.
تأتي هذه المظاهرة ضمن سلسلة من الاحتجاجات الطلابية والحقوقية في عدد من الولايات الأمريكية، رفضًا لدور بلادهم في دعم الإبادة بغزة. وقد شهدت جامعات مثل كولومبيا وهارفارد حركات اعتصام واسعة، مطالبة بوقف الدعم العسكري لإسرائيل، ومعاقبة المسؤولين عن تواطؤ واشنطن في الحرب.
كل هذه التحركات تشير إلى أن جدار الصمت بدأ يتشقق، رغم القمع الإعلامي، والملاحقات التي تطال كل من يعارض السردية الرسمية، سواء في الإعلام أو في المؤسسات الأكاديمية.
بين التواطؤ والصحوة.. أمريكا على المحك
الرسالة التي حملتها مظاهرة واشنطن كانت واضحة: الإعلام الأمريكي، كما الإدارة السياسية بقيادة ترامب، مسؤولان بشكل مباشر عن تبرير المجازر المستمرة في غزة، عبر الصمت، والتحريف، والدعم الكامل للاحتلال.
لكن في المقابل، بدأت أصوات معارضة ترتفع من داخل المجتمع الأمريكي، تُحرج المؤسسات الإعلامية وتكشف تناقضاتها، وتعيد طرح السؤال الجوهري: هل تظل أمريكا شريكة في جريمة إبادة شعب أعزل؟ أم أن هذه الأصوات ستكون بداية لتغيير قادم في الرأي العام والسياسة الأمريكية تجاه فلسطين؟
الجواب لا يزال معلقًا، لكن ما جرى في واشنطن قد يكون أول جرس إنذار في طريق طويل لكسر تحالف الدم بين الإعلام الأمريكي وتل أبيب.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يخطط لاجتياح غزة واغتيال قادة حماس بالخارج: تصعيد دموي يكشف إفلاسًا استراتيجيًا