“أشعر بالاشمئزاز مما يحدث في غزة” بهذه العبارة القوية، عبّر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن موقفه من المأساة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، مُلوّحًا باعتراف وشيك بدولة فلسطين إذا لم يُظهر الاحتلال الإسرائيلي “خطوات جادة” لإنهاء الكارثة. 

التصريحات التي جاءت تمثل تحوّلاً لافتًا في السياسة البريطانية إزاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وربما تُنذر بنقطة مفصلية في تراجع الدعم الغربي التقليدي لراوية الاحتلال، التي لطالما صوّرت نفسها كـ”ضحية محاطة بالأعداء”.

ضغط داخلي وغضب شعبي يشكلان تحولًا استراتيجيًا

توقيت تصريحات ستارمر ليس عفويًا؛ بل يأتي في ظل تصاعد ضغوط داخلية هائلة على الحكومة البريطانية، وسط تنامي موجات الغضب الشعبي من مشاهد القصف والمجاعة في غزة. أكثر من 250 نائبًا من أصل 650 في مجلس العموم وقّعوا رسالة تدعو الحكومة للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، باعتباره “خطوة ضرورية لإحياء عملية السلام ووقف المجازر”. وتؤكد استطلاعات الرأي أن الأغلبية الساحقة من الشعب البريطاني تؤيد الاعتراف بفلسطين، مع تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل الذي طالما كان محصّنًا بدعاوى “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.

هذه التحولات الداخلية تُجبر ستارمر على اتخاذ خطوات أكثر جرأة، خشية فقدان ثقة الشارع، خصوصًا مع تنامي التيار اليساري داخل حزب العمال، والذي يطالب بمواقف واضحة ضد “الإبادة الجارية” في غزة، حسب وصف العديد من نوابه. كما أن الضغط الإعلامي والحقوقي المستمر، إلى جانب تقارير أممية تدين الانتهاكات الإسرائيلية، شكّل بيئة خصبة لتحوّل الخطاب السياسي في بريطانيا من الدفاع عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” إلى التشكيك في شرعية وجودها العسكري في غزة والضفة.

الاعتراف كأداة ضغط دبلوماسي.. لا “خطوة رمزية”

كير ستارمر شدد على أن الاعتراف بدولة فلسطين “لن يكون خطوة رمزية أو دعائية”، بل سيُستخدم كأداة ضغط سياسية على حكومة الاحتلال للقبول بوقف إطلاق نار دائم، والسماح بدخول المساعدات، والالتزام بحل الدولتين. هذه التصريحات تقلب الرواية الإسرائيلية التي طالما روّجت لفكرة أن الاعتراف بفلسطين هو قرار يجب أن يأتي فقط في إطار “اتفاق سلام شامل”، وهي الصيغة التي كانت تُمكن الاحتلال من تأجيل الاعتراف إلى ما لا نهاية.

لكن الأهم، هو أن ستارمر فصل بين الاعتراف بفلسطين وبين مستقبل حركة حماس، قائلًا إن مطالب مثل “نزع سلاح الحركة” و”إطلاق سراح الرهائن” هي شروط للتسوية، لكنها ليست مرتبطة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. هذه النقطة تحديدًا تُضعف الحجة الإسرائيلية التي تربط أي حديث عن حل الدولتين بضرورة تصفية المقاومة الفلسطينية أولًا.

تصريحات ستارمر أيضًا تضعف ذريعة “غياب الشريك الفلسطيني للسلام”، والتي تذرعت بها تل أبيب على مدار سنوات، لتبرير الاستيطان ورفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فإذا كانت بريطانيا —التي طالما وقفت في صف الاحتلال— تلوّح بالاعتراف رغم الانقسام الفلسطيني، فإن ذلك يفتح الباب لتغييرات مشابهة من دول أوروبية أخرى، ويُشجع دول الجنوب العالمي على اتخاذ خطوات مماثلة، مما يضعف عزلة الفلسطينيين على الساحة الدولية.

انحدار الرواية الإسرائيلية وتضعضع الدعم الغربي

تُشير تصريحات ستارمر وما رافقها من مواقف إلى تراجع خطير في مكانة الرواية الإسرائيلية في الغرب. فبعد عقود من تصوير الاحتلال كدولة ديمقراطية تحارب الإرهاب، أصبحت إسرائيل اليوم في نظر قطاع متزايد من السياسيين الغربيين دولة محتلة ترتكب جرائم حرب. تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش”، وتوثيقات الأمم المتحدة، واستهداف المدارس والمستشفيات، كلها أسهمت في تقويض الخطاب الإعلامي الإسرائيلي التقليدي.

كما أن حملة الاستيطان المكثف والضم الزاحف في الضفة الغربية، جعلت حل الدولتين مجرد سراب في نظر الكثيرين، ما دفع وزراء بريطانيين – من بينهم وزيرة النقل هايدي ألكسندر – للقول صراحة إن “الوقت ينفد” وإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ ما تبقى من فرص التسوية.

بالتالي، فإن الخطوة البريطانية المرتقبة تمثل كابوسًا استراتيجيًا لتل أبيب، التي تخشى انتقال العدوى إلى دول أوروبية أخرى مثل إسبانيا، بلجيكا، وآيرلندا، والتي سبق وأبدت مواقف مشابهة. كما يُنذر الاعتراف المحتمل بإطلاق موجة اعترافات جديدة في الأمم المتحدة، وإعادة فتح ملفات المساءلة القانونية في محكمة الجنايات الدولية، خاصة بعد صدور مذكرات التوقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه.

هل نشهد “سايكس بيكو عكسي”؟

بعد قرن من وعد بلفور، و75 عامًا من الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، تُمهّد تصريحات ستارمر لإمكانية حدوث “سايكس بيكو عكسي”، تعيد رسم المشهد السياسي في الشرق الأوسط بشكل أكثر عدالة. وإذا مضت بريطانيا في الاعتراف بالدولة الفلسطينية دون موافقة إسرائيل، فإن هذا سيُعيد الاعتبار للشعب الفلسطيني كطرف فاعل وليس مجرد ضحية.

لكن الاعتراف وحده لن يُنهي الاحتلال، ما لم يترافق مع ضغوط اقتصادية وسياسية حقيقية لوقف الجرائم اليومية في غزة والضفة. ومع ذلك، فإن خطوة لندن المرتقبة تُعد انتصارًا رمزيًا ومعنويًا، وتعبيرًا عن تراجع مكانة إسرائيل في الوعي الغربي، وارتباك روايتها أمام سيل الحقائق المتدفقة من أرض الواقع الفلسطيني.

اقرأ أيضًا : تظاهرات حاشدة للمطالبة بصفقة تبادل الأسرى وعائلاتهم يصرخون في وجه نتنياهو