في تصريح غير مسبوق في حدته من داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، وجّه السيناتور الديمقراطي البارز بيرني ساندرز اتهامات مباشرة لرئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واصفًا إياه بـ”مجرم الحرب”، ومؤكدًا أن إسرائيل تحولت إلى “دولة منبوذة” في نظر العالم.
وجاءت هذه التصريحات في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” الأمريكية، الأحد، حيث تحدث ساندرز عن الخطة الإسرائيلية للسيطرة على مدينة غزة، وما وصفه بـ”الحرب الشاملة” التي يشنها الاحتلال على الشعب الفلسطيني منذ أشهر، في مشهد يراه كثيرون انعكاسًا لتحوّل ملحوظ في الخطاب الأمريكي حول إسرائيل داخل الأوساط التقدمية في الحزب الديمقراطي.
![]()
أرقام مروّعة عن الضحايا والدمار
ساندرز لم يكتفِ بالحديث السياسي، بل قدّم أرقامًا صادمة تكشف حجم المأساة الإنسانية في قطاع غزة. وأوضح أن عدد الضحايا وصل إلى نحو 60 ألف قتيل، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، بينهم 18 ألف طفل قُتلوا و3 آلاف آخرون بُترت أطرافهم. وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم القتل، بل أيضًا الدمار الشامل للبنية التحتية، بما في ذلك منازل المدنيين، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، فضلًا عن انهيار الأنظمة الصحية.
وحمّل السيناتور الأمريكي حكومة الاحتلال مسؤولية فرض حصار شامل يمنع دخول الغذاء إلى القطاع، ما أدى إلى موت الفلسطينيين جوعًا، مشددًا على أن هذا الحصار جزء من سياسة ممنهجة لفرض التجويع كسلاح حرب، وهو ما يرقى إلى جريمة حرب وفق القانون الدولي.
إسقاط تهمة الحصار عن حماس وتحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة
عندما سألته مذيعة “سي إن إن” عمّا إذا كانت حركة حماس تتحمل مسؤولية الحصار والمجاعة، نفى ساندرز ذلك تمامًا، مؤكدًا أن إسرائيل، باستثناءات محدودة، هي التي تسيطر على الوضع العسكري وتفرض الحصار. وأضاف أن ما يجري الآن هو “مذبحة” وليست حربًا متكافئة، وأن المسؤولية الكاملة عن المأساة الحالية تقع على عاتق حكومة نتنياهو، التي تتعمد، على حد وصفه، خوض حرب شاملة ضد المدنيين الفلسطينيين.
ورغم انتقاده الشديد لحكومة الاحتلال، أعرب ساندرز عن أمله بألا يكون لحركة حماس مستقبل سياسي في غزة أو في أي كيان فلسطيني جديد، لكنه شدد على أن إنهاء المعاناة الحالية يتطلب وقفًا فوريًا للحرب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة.
تحرّك سياسي داخل الكونغرس لوقف تسليح الاحتلال
ساندرز كشف عن تحرك سياسي يقوده داخل الكونغرس، حيث قدّم قرارًا قبل أسبوعين يدعو إلى وقف إمداد الاحتلال بالأسلحة الأمريكية، وحصل على دعم 27 من أعضاء الحزب الديمقراطي، لكنه أشار إلى غياب الدعم الكامل من الجمهوريين. ومع ذلك، أوضح أن هناك وعيًا متزايدًا حتى داخل القاعدة الشعبية للحزب الجمهوري بأن إرسال مليارات الدولارات إلى حكومة “تجوع الأطفال” ليس أمرًا مقبولًا.
كما تعهّد السيناتور التقدمي بطرح قرارات إضافية في مجلس الشيوخ تهدف إلى وقف صفقات بيع أسلحة لإسرائيل تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار، رغم إدراكه لصعوبة تمرير هذه القرارات في ظل الانقسام السياسي الحاد، لكنه يرى أن هذه الخطوات تمثل أقوى رد حتى الآن من داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية على “الدمار الهائل” الذي لحق بغزة.
إسرائيل.. من دولة حليفة إلى دولة منبوذة
واحدة من أبرز النقاط التي أثارها ساندرز هي التحوّل في صورة إسرائيل على الساحة الدولية. فبحسب تعبيره، “إسرائيل أصبحت دولة منبوذة تقريبًا”، نتيجة سياساتها العدوانية والحرب الشاملة على غزة. وأبدى مخاوفه من أن صورة إسرائيل لدى الرأي العام العالمي، وليس فقط داخل الولايات المتحدة، باتت في تدهور مستمر، وهو ما قد يترك تداعيات دبلوماسية واقتصادية وأمنية على المدى الطويل.
تصريحات ساندرز هنا تمثل انعكاسًا لواقع متغير؛ إذ بدأت موجة من الانتقادات الصريحة لإسرائيل تظهر في الإعلام والسياسة الأمريكية، وهو ما كان من المحرمات السياسية قبل سنوات قليلة فقط، خصوصًا حين تصدر هذه الانتقادات عن شخصيات بارزة في الكونغرس.
خلفية سياسية وشخصية لساندرز
بيرني ساندرز، المعروف بتوجهه الاشتراكي الديمقراطي ومواقفه التقدمية، له تاريخ طويل في معارضة الحروب، بما في ذلك معارضته لغزو العراق عام 2003. وهو من القلة التي تجرأت مرارًا على انتقاد الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، معتبرًا أن هذا الدعم يساهم في إطالة أمد الاحتلال وتعميق المآسي الإنسانية في الأراضي الفلسطينية. وفي سياق حرب غزة الحالية، تبنى ساندرز خطابًا أكثر حدة، معتبرًا أن ما تقوم به حكومة نتنياهو هو “إبادة جماعية” مكتملة الأركان.
خاتمة: تحوّل في المزاج السياسي الأمريكي؟
تصريحات ساندرز، رغم أنها قد لا تغيّر سياسة البيت الأبيض أو الكونغرس بشكل فوري، إلا أنها تعكس تحولًا تدريجيًا في المزاج السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل، خاصة بين الأجيال الشابة والتيارات التقدمية. كما أنها تضيف مزيدًا من الضغط على حكومة الاحتلال التي تواجه اليوم انتقادات دولية غير مسبوقة، واتهامات بارتكاب جرائم حرب، وربما جرائم ضد الإنسانية.
ومع استمرار الحرب على غزة واقتراب ذكراها السنوية الأولى، تبدو المعركة السياسية في واشنطن مرشحة للاشتداد، مع تزايد الأصوات التي ترى في سياسات نتنياهو خطرًا على صورة إسرائيل ومستقبلها، ليس فقط كحليف للولايات المتحدة، بل كدولة ذات شرعية دولية. وفي هذا السياق، قد تمثل كلمات ساندرز بداية لمرحلة جديدة من الخطاب الأمريكي حول القضية الفلسطينية، يكون فيها الحديث عن “مجرمي الحرب” و”الدول المنبوذة” أمرًا ممكنًا من تحت قبة الكونغرس نفسه.
اقرأ أيضًا : أحزاب مصرية تعارض صفقة الغاز مع الاحتلال.. “دعم غزة بالمقاطعة وخيانة السيسي”