في ظل أزمة إنسانية غير مسبوقة يعيشها قطاع غزة، أطلقت أكثر من مئة منظمة غير حكومية دولية، بينها منظمات بارزة مثل “أوكسفام” و”أطباء بلا حدود” و”كير”، تحذيرًا شديد اللهجة من أن القواعد الإسرائيلية الجديدة التي تنظم عمل منظمات المساعدات الأجنبية أصبحت أداة منهجية لرفض إدخال الإمدادات الحيوية.

هذه السياسات، التي دخلت حيز التنفيذ في مارس/آذار الماضي، لا تعرقل فقط إيصال الغذاء والدواء، بل تترك ملايين المدنيين تحت تهديد مباشر بالجوع والمرض، في ما يصفه خبراء القانون الدولي بأنه “جريمة تجويع” محظورة بموجب اتفاقيات جنيف.

تصعيد في القيود بعد السابع من أكتوبر

تاريخ العلاقة بين منظمات الإغاثة والحكومة الإسرائيلية كان دائمًا متوترًا، لكن هذا التوتر بلغ ذروته بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. الرسالة المشتركة الصادرة الخميس أوضحت أن السلطات الإسرائيلية رفضت عشرات الطلبات خلال الأشهر الأخيرة، بذريعة أن المنظمات “غير مخوّلة” لتسليم المساعدات. ففي يوليو/تموز وحده، تم رفض 60 طلبًا على الأقل، ما يعكس سياسة ممنهجة للتضييق على قنوات الإغاثة الدولية.

القواعد الجديدة تتيح لإسرائيل رفض تسجيل أي منظمة أجنبية إذا اعتبرت أنها “تنكر الطابع الديمقراطي لإسرائيل” أو “تروج لحملات نزع الشرعية عنها”، وهي صياغات فضفاضة تسمح بإقصاء أي منظمة تنتقد الانتهاكات الإسرائيلية أو توثقها.

إقصاء المنظمات المستقلة لصالح قنوات بديلة مثيرة للجدل

منذ مايو/أيار، اعتمدت إسرائيل على ما تُسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة أمريكيًا لإدارة مراكز توزيع الأغذية. لكن هذه القنوات البديلة أثارت جدلًا واسعًا، بعدما شهدت مراكز التوزيع فوضى وتدافعًا، وسقوط ضحايا بينهم من أُطلق عليهم النار أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء، وفق ما أكده جهاز الدفاع المدني في غزة. هذا النهج يعكس محاولة لتقويض دور المنظمات المستقلة واستبدالها بجهات ذات ارتباط سياسي أو أمني، بما يضمن لإسرائيل السيطرة على مسارات الإمداد ومنع أي جهة قد تُحرجها دوليًا.

شهادات من الميدان: “مهمتنا إنقاذ الأرواح”

مديرة منظمة “كير” في غزة، جوليان فيلدفيك، قالت بوضوح: “مهمتنا هي إنقاذ الأرواح، لكن بسبب القيود على التسجيل، يُترك المدنيون بلا غذاء ولا دواء ولا حماية عاجلة”. وأوضحت أن المنظمة لم تتمكن من إيصال أي مساعدات منذ مارس/آذار، رغم السماح الجزئي في مايو/أيار. شهادتها تعكس ما تعانيه معظم المنظمات على الأرض، حيث يقف العاملون أمام معادلة قاسية: إما الالتزام بالقواعد الإسرائيلية التي تعرقل العمل الإنساني، أو مواجهة خطر الحظر الكامل، بينما يزداد الوضع سوءًا يومًا بعد يوم.

جريمة التجويع كسلاح حرب

رفض إدخال المساعدات الحيوية لا يمكن النظر إليه بمعزل عن سياق الحصار المطبق على غزة، وهو حصار يمتد منذ سنوات لكنه شهد تشديدًا غير مسبوق في الأشهر الأخيرة. من منظور القانون الدولي الإنساني، يُعد حرمان المدنيين من الغذاء والدواء “جريمة حرب” إذا تم استخدامه كسلاح لإخضاعهم أو معاقبتهم، وهي جريمة موثقة في المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف.

هذا الحرمان الممنهج من الإمدادات لا يؤدي فقط إلى سوء تغذية حاد وانتشار الأمراض، بل يقوض أيضًا البنية الاجتماعية والاقتصادية، ويدفع السكان نحو الاعتماد على قنوات توزيع تسيطر عليها سلطات الاحتلال أو أطراف ثالثة موالية لها، ما يعمّق التبعية ويقيد حرية المجتمعات في تقرير مصيرها.

تأثيرات إنسانية وأمنية خطيرة

تداعيات هذه السياسات تتجاوز البعد الإنساني إلى أبعاد أمنية واجتماعية معقدة. فالنقص الحاد في الغذاء والماء والدواء يخلق بيئة خصبة لانتشار الفوضى والعنف المجتمعي، ويزيد من احتمالية اندلاع أزمات داخلية، سواء بين السكان أو بين الفصائل المختلفة. كما أن إضعاف دور المنظمات المستقلة يترك فراغًا تملؤه شبكات السوق السوداء والتهريب، ما يضاعف معاناة المدنيين ويقوض أي جهود مستقبلية لإعادة الإعمار.

المجتمع الدولي أمام اختبار

هذه التطورات تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بحماية القانون الإنساني الدولي. فالصمت أو الاكتفاء بالتصريحات لا يوقف جريمة التجويع، بل يمنحها غطاءً سياسيًا غير مباشر. المنظمات الموقعة على الرسالة دعت الحكومات والهيئات الأممية إلى الضغط الفوري على إسرائيل لتعديل هذه القواعد وضمان وصول المساعدات بلا عوائق، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى كارثة إنسانية شاملة يصعب احتواؤها لاحقًا.

خاتمة: بين القانون والواقع

في النهاية، تكشف هذه القضية عن فجوة واسعة بين النصوص القانونية التي تحظر تجويع المدنيين، والواقع الميداني الذي يشهد استخدام الجوع والحصار كسلاح حرب. وإذا لم يتم التحرك العاجل، فإن “قواعد” إسرائيل الجديدة قد تتحول من مجرد أدوات إدارية إلى آليات مأسسة للتجويع الممنهج، لتبقى غزة رهينة سياسة الإخضاع عبر الحرمان، في ظل صمت عالمي يثير التساؤلات حول معنى العدالة في زمن الحصار.

اقرأ أيضًا : ازدواجية المعايير الفرنسية.. إيقاف مراقب جوي في مطار شارل ديغول بسبب هتافه لفلسطين