في تطور بارز يعكس التحولات المتصاعدة في المواقف العالمية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، أعلنت الكنيسة الميثودية المتحدة (UMC) أن وكالة التقاعد والاستثمار التابعة لها “ويسبات” قررت سحب استثماراتها من السندات الحكومية الإسرائيلية، إلى جانب المغرب وتركيا، في خطوة وصفت بأنها تأتي ضمن إطار الالتزام بـ”حقوق الإنسان” ورفض الاستفادة من الاحتلال أو الاستبداد.
هذا القرار لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة مسار طويل من النقاشات الداخلية، الضغوط الشعبية، والعري petitions التي تبنّاها ناشطون داخل الكنيسة منذ سنوات، لكنه اكتسب زخماً خاصاً في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي وصلت وفق توصيف منظمات حقوقية وأممية إلى مستوى “الإبادة الجماعية”.

أبعاد القرار: موقف كنسي يتجاوز الروحانية إلى السياسة
لم يكن قرار الكنيسة الميثودية المتحدة محصوراً في المجال الاقتصادي فحسب، بل حمل أبعاداً سياسية وأخلاقية عميقة. فقد أكدت وكالة “ويسبات” أن خطوتها جاءت بعد “دراسة عميقة وصلاة”، في إشارة إلى أن القرار لم يكن اندفاعياً، بل تعبيراً عن مراجعة شاملة لمسؤولية الكنيسة الأخلاقية أمام معاناة الشعوب.
المدير التنفيذي للوكالة، آندي هندرن، أوضح أن الكنيسة أعادت النظر في استثماراتها من زاوية “مبدئية وشمولية”، بحيث لا تقتصر على الاحتلال العسكري، وإنما تشمل أيضاً الحكومات المتهمة بالاستبداد والفساد. وهو ما يضع إسرائيل ضمن خانة الدول التي لم يعد من الممكن تبرير الاستثمار في سنداتها، ليس فقط بسبب احتلالها للأراضي الفلسطينية، بل أيضاً بفعل سجلها الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان.
هذا الموقف يعكس انتقال الكنيسة من مرحلة “الحياد الأخلاقي” إلى مرحلة “الالتزام السياسي-الديني”، حيث تتلاقى قيم الإنجيل حول السلام والمساواة مع مواقف عملية على الأرض، لتجنب التواطؤ غير المباشر مع سياسات الاحتلال والإبادة.
السياق: من قرارات مؤجلة إلى استجابة فورية للحرب في غزة
قرار “ويسبات” جاء تنفيذاً لتوصية صادرة عن المؤتمر العام للكنيسة في نيسان/أبريل 2024، والذي نصّ على وقف الاستثمارات في الحكومات التي تمارس احتلالاً عسكرياً غير قانوني. لكن توقيت الإعلان لم يكن معزولاً عن الواقع المأساوي في غزة. فقد أوضحت ليزا بيندر، رئيسة حركة “الميثوديون من أجل استجابة كايروس”، أن القرار جاء في لحظة “حاسمة”، حيث الإبادة الجماعية في القطاع متواصلة، وأي استثمار في إسرائيل يعني بشكل مباشر دعم حكومتها في حربها الوحشية.
هذه الخطوة تمثل انعكاساً مباشراً لضغوط داخلية وخارجية على الكنيسة، إذ أطلق ناشطون عقب تصويت المؤتمر العام عريضة واسعة، حذّرت من أن استمرار استثمارات الكنيسة في إسرائيل يضعها في موضع المستفيد من “المعاناة والقمع”. ولفتت العريضة إلى أن الأمم المتحدة وثقت انتهاكات منهجية ترتكبها إسرائيل: مصادرة الأراضي، هدم المنازل، السجن الجماعي، والعنف ضد المدنيين، وصولاً إلى حرمان السكان من الغذاء والماء في ظل حصار خانق.
السوابق: موقف متدرج ضد إسرائيل
لم يكن هذا القرار الأول من نوعه للكنيسة الميثودية المتحدة. ففي عام 2016، وضع مجلس المعاشات التقاعدية التابع لها خمسة بنوك إسرائيلية على القائمة السوداء بسبب صلاتها بالمستوطنات غير القانونية. وقبل ذلك بعامين، باعت الكنيسة أسهمها في شركة G4S الأمنية البريطانية، بسبب تورطها في توفير خدمات لوجستية للمستوطنات ونقاط التفتيش الإسرائيلية.
هذا المسار التدريجي يثبت أن الكنيسة تتبنى نهج “الضغط المتصاعد”، حيث يتم استهداف المؤسسات والشركات المتورطة في الاحتلال بشكل منهجي، وهو ما ينسجم مع توجهات حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) التي حققت تقدماً ملحوظاً في أوساط الكنائس والجامعات الغربية خلال العقد الأخير.
البعد الدولي: صدى يتجاوز الولايات المتحدة
إعلان “ويسبات” جاء متزامناً مع ارتفاع أصوات برلمانيين أمريكيين يدعون إلى تقييد أو حتى وقف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة. هذا يشي بأن قرار الكنيسة ليس مجرد موقف ديني معزول، بل جزء من تحوّل أوسع داخل المجتمع الأمريكي تجاه سياسات إسرائيل.
كما أن إدراج المغرب وتركيا في القائمة يضفي بعداً إضافياً على القرار، إذ يبعث برسالة مفادها أن الكنيسة ليست مسيّسة ضد إسرائيل وحدها، وإنما تنطلق من معايير حقوقية عامة تطال أي حكومة متورطة في الاحتلال أو الاستبداد. غير أن التركيز الأكبر في البيان والجدل العام انصب على إسرائيل، بما يكشف عن حجم الاهتزاز الذي تتعرض له صورتها في الغرب.
انهيار السردية الإسرائيلية: من دولة “الديمقراطية الوحيدة” إلى “نظام إبادة”
على مدى عقود، نجحت إسرائيل في الترويج لنفسها كـ”الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، لكن مشاهد الإبادة في غزة، ومواقف مؤسسات كنسية عريقة مثل الكنيسة الميثودية، كشفت زيف هذه السردية. فحين تتخذ مؤسسة دينية محافظة مثل الميثوديين قراراً اقتصادياً صارماً ضد إسرائيل، فهذا يعني أن رواية “الضحية الأبدية” لم تعد مقنعة حتى داخل الأوساط التي لطالما كانت متسامحة معها.
تداعيات هذه الخطوة تتجاوز الرمزية، فهي تفتح الباب أمام مؤسسات دينية أخرى –مثل الكنيسة البروتستانتية والإنجيلية– لإعادة النظر في استثماراتها، بما يوسع دائرة العزلة الاقتصادية والأخلاقية على إسرائيل. وبذلك يصبح سحب الاستثمارات شكلاً من أشكال “المقاطعة الناعمة”، لكنه يضرب في عمق شرعية الاحتلال على المستوى الدولي.
خاتمة: منابر الكنيسة تتحول إلى جبهة مقاومة ناعمة
قرار الكنيسة الميثودية المتحدة ليس مجرد إعلان إداري أو تعديل في محفظة استثمارية، بل حدث سياسي وأخلاقي بامتياز، يعكس تحول الكنيسة إلى جبهة مقاومة ناعمة ضد الاحتلال. فهو يوجّه رسالة مزدوجة: أولاً، أن الإبادة الجماعية في غزة لم تعد تحتمل الصمت أو الحياد. وثانياً، أن المؤسسات الدينية في الغرب بدأت تتحول من موقع التواطؤ الضمني إلى موقع الفعل الإيجابي ضد إسرائيل.
في النهاية، يمكن القول إن هذا القرار يشكّل لبنة إضافية في جدار العزلة المتنامي حول إسرائيل، ويؤكد أن سرديتها السياسية تنهار أمام واقع موثق بالصوت والصورة في غزة، وأن لغة الإيمان باتت أداةً من أدوات المقاومة العالمية ضد الإبادة.
اقرأ أيضًا : تسريبات “الملك”.. انحراف سلوكي يفضح أزمة الشرطة المصرية