في تطور جديد يعكس عمق المأساة السودانية، اتهمت الأمم المتحدة قوات “الدعم السريع” بارتكاب “هجمات وحشية” على مدينة الفاشر ومخيم أبو شوك للنازحين غربي السودان، ما أسفر عن مقتل 89 مدنيًا خلال عشرة أيام فقط.
بينما يواصل الجيش السوداني صدّ هجمات المليشيا على عاصمة شمال دارفور، يطفو إلى السطح سؤال أكبر: من يقف وراء تغذية هذه الحرب؟ الإجابة تشير بوضوح إلى الدور الإماراتي في تمويل وتسليح المليشيات، بما يعمّق الكارثة الإنسانية ويدفع السودان إلى حافة الانهيار الكامل.

جرائم موثقة.. والضحايا من المدنيين
خلال إحاطة صحفية في جنيف، أعلن المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان جيريمي لورنس أن قوات الدعم السريع ارتكبت هجمات متعمدة على أحياء مدينة الفاشر المحاصرة، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 89 مدنيًا، بينهم 16 من قبيلة الزغاوة جرى إعدامهم ميدانيًا في مخيم أبو شوك.
لورنس وصف المشهد بـ”المروع”، مشددًا على أن هذه الممارسات ترقى إلى “جرائم حرب” وانتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، خاصة أنها تعكس نمطًا من القتل بدوافع إثنية، بما يعيد إلى الأذهان مآسي الإبادة في دارفور مطلع الألفية.
هذه الجرائم لا تمثل فقط مأساة إنسانية، بل تؤكد طبيعة الدعم السريع كمليشيا منفلتة، تستهدف المدنيين عمدًا كجزء من استراتيجية السيطرة وبث الرعب، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على النسيج الاجتماعي السوداني.
الجيش يقاوم.. والمعارك تستنزف الجميع
في موازاة ذلك، أعلن الجيش السوداني أنه صدّ هجومًا جديدًا للدعم السريع على مدينة الفاشر، مؤكداً أنه كبّد المليشيا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. وأوضح أن من تبقى من المهاجمين فرّوا تاركين خلفهم معداتهم.
ورغم هذه النجاحات الميدانية، فإن الوضع لا يزال معقدًا؛ فالفاشر تعاني حصارًا خانقًا منذ شهور، فيما تتواصل المعارك التي تستنزف الطرفين وتزيد من معاناة السكان، وسط انهيار شبه كامل للبنية التحتية الإنسانية والصحية.
اللافت أن الجيش بدأ خلال الأسابيع الأخيرة في استعادة زمام المبادرة في عدة ولايات، بما في ذلك الخرطوم والنيل الأبيض، غير أن دارفور تبقى عقدة الصراع، حيث تتشابك العوامل القبلية والإقليمية مع الدعم الخارجي الذي يحظى به “الدعم السريع”.
كارثة إنسانية.. الكوليرا تحصد الأرواح
الأمم المتحدة ومنظماتها حذرت من أن الوضع الإنساني في الفاشر بلغ مرحلة الانهيار. منظمة الصحة العالمية كشفت أن المدنيين يعانون من نقص حاد في الغذاء وتفشي الكوليرا في المخيمات ومناطق النزوح.
المتحدث باسم المنظمة كريستيان ليندماير أوضح أن السودان كله يسجل إصابات بالوباء، مع 48,768 حالة إصابة و1094 وفاة حتى 11 أغسطس.
هذه الأرقام تعكس ليس فقط تفاقم الأزمة الصحية، بل أيضًا غياب أي مقومات للحياة في ظل الحرب والحصار. الكوليرا، كما تصفها المنظمة، مؤشر على “غياب العدالة وانعدام التنمية”، وهي اليوم تكشف حجم الانهيار الذي وصل إليه السودان.
الإمارات.. الممول الخفي للحرب
وراء هذه الفوضى تقف الإمارات، التي تحولت من لاعب اقتصادي إلى راعٍ رئيسي لمليشيا “الدعم السريع”. تقارير عديدة، بعضها أممي وبعضها استقصائي، أكدت أن أبوظبي وفرت السلاح والتمويل لقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مستفيدة من شبكة تهريب الذهب السوداني عبر دبي.
أبوظبي، التي ترفع شعارات “الاستقرار” و”التنمية”، تمارس واقعًا معاكسًا: إذ تدير حروبًا بالوكالة من اليمن إلى ليبيا، وها هي اليوم تعمّق جراح السودان بتمويل مليشيا تورطت في الإبادة والتطهير العرقي.
دعمها لـ”الدعم السريع” لم يقتصر على السلاح، بل شمل أيضًا الدعم اللوجستي والدبلوماسي، ما جعل المليشيا قادرة على الصمود رغم جرائمها الموثقة دوليًا.
أهداف خفية.. ومصالح استراتيجية
الإمارات لا تدعم “الدعم السريع” حبًا فيه، بل خدمة لمصالحها الاقتصادية والسياسية. السيطرة على مناجم الذهب في دارفور، وتأمين طرق التجارة عبر البحر الأحمر، ومنع قيام دولة سودانية قوية قد تنافسها إقليميًا، كلها دوافع أساسية وراء تدخل أبوظبي.
كما تسعى الإمارات لاستخدام السودان كورقة تفاوضية مع القوى الكبرى، تارة باعتباره “بوابة إفريقيا”، وتارة أخرى كورقة ضغط في علاقتها مع واشنطن أو موسكو.
لكن الثمن الفعلي لهذه السياسات هو دماء المدنيين السودانيين، الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة مليشيا متوحشة وسندان حصار إنساني خانق.
خاتمة: مأساة مستمرة وشركاء في الجريمة
ما يحدث في الفاشر اليوم ليس مجرد معركة عسكرية بين الجيش والدعم السريع، بل جريمة مستمرة بحق المدنيين، تشارك فيها أطراف خارجية على رأسها الإمارات. فبينما تتحدث الأمم المتحدة عن 89 قتيلاً في عشرة أيام، تبقى الحقيقة أن عدد الضحايا أكبر بكثير، وأن المأساة مرشحة للتفاقم ما لم يُكبح الدعم الخارجي للمليشيا.
السودان، الذي يواجه أوبئة ومجاعات وانهيارًا للدولة، يحتاج إلى تضامن دولي حقيقي، لا بيانات إدانة فقط. أما الإمارات، التي تموّل الموت وتصدّر الخراب، فهي اليوم شريك مباشر في جريمة الإبادة التي تُرتكب بحق الشعب السوداني.
اقرأ أيضًا : الإمارات وتأجيج الصراع: هجوم جديد للدعم السريع يحصد أرواح المدنيين في كردفان