يتواصل المشهد الكارثي في قطاع غزة وسط تقارير أممية تؤكد أن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة للحصار الإسرائيلي والدعم الإقليمي المشارك فيه.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أعلنت أن “المجاعة في غزة قابلة للتوقف”، مشيرة إلى أن مخازنها في الأردن ومصر مليئة بمساعدات تكفي لملء 6000 شاحنة من الغذاء والأدوية ولوازم النظافة.
لكن هذه الكميات الضخمة، بحسب الوكالة، ما زالت عالقة على حدود القطاع، لأن الاحتلال الإسرائيلي يمنع دخولها بشكل منتظم، ويكتفي بالسماح لعشرات فقط من الشاحنات بالدخول منذ أيار/مايو الماضي، وهي كميات لا تغطي سوى 14–15% من احتياجات السكان.
والنتيجة أن 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.2 مليون طفل، يعيشون فعلياً المرحلة الخامسة من الجوع، وهي أعلى درجات المجاعة حسب التصنيف العالمي، حيث يواجه مئات الآلاف خطر الموت جوعاً.

المساعدات موجودة.. لكن السيسي يغلق الأبواب
رغم أن الأونروا أكدت أن المخازن ممتلئة في مصر والأردن، إلا أن القاهرة، بقيادة عبد الفتاح السيسي، لم تلعب دوراً يليق بمكانة مصر التاريخية والجغرافية، بل شاركت في الحصار عبر إغلاق معبر رفح أمام القوافل الإنسانية. هذا الموقف، الذي يراه مراقبون “خيانة قومية”، منح الاحتلال الإسرائيلي غطاءً إقليمياً لتجويع غزة، بل وحرم مئات الآلاف من المدنيين من فرصة إنقاذ حياتهم.
ففي الوقت الذي كان يمكن فيه لمصر أن تضخ آلاف الشاحنات نحو غزة وتفرض إدخالها باعتبارها “خطاً أحمر إنسانياً”، اختارت السلطة المصرية التماهي مع الرؤية الإسرائيلية–الأمريكية، مكتفية بتصريحات شكلية عن “القلق الإنساني”. النتيجة أن المساعدات مكدسة في مخازن سيناء، بينما الأطفال في غزة يموتون عطشاً وجوعاً، وهو ما يمثل تواطؤاً صارخاً في جريمة الإبادة.
سياسة ممنهجة للتجويع والنهب
الأرقام الواردة من مكتب الأمم المتحدة، إضافة إلى تقارير الحكومة المحلية في غزة، تكشف عن سياسة منظمة: الاحتلال لا يكتفي بمنع دخول المساعدات، بل يسمح لعصابات محلية، تعمل تحت حمايته، بالسيطرة على جزء من الشاحنات الواصلة وبيعها في الأسواق السوداء بأسعار باهظة. بذلك تتحول المعونات الإنسانية من شريان حياة إلى أداة ابتزاز وتجويع ممنهج، والضحايا هم الفقراء والنازحون الذين لا يملكون سوى الانتظار في طوابير الموت.
الأونروا أوضحت أن “عكس مسار الكارثة يكون بإغراق غزة بالمساعدات عبر الأمم المتحدة”، لكن هذا يتطلب إرادة سياسية مفقودة، سواء من الاحتلال أو من مصر والأطراف الإقليمية الأخرى، التي فضّلت حساباتها الأمنية والسياسية على حياة ملايين المدنيين.
المجازر الممتدة: القتل والجوع وجهان للإبادة
منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يعيش الفلسطينيون تحت آلة حرب إسرائيلية شاملة أسفرت عن 62,263 شهيداً و157,365 مصاباً، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى أكثر من 9 آلاف مفقود. وعلى الجانب الآخر، خلّفت المجاعة وحدها حتى الآن 273 وفاة موثقة، بينهم 112 طفلاً، مع توقعات بارتفاع الأعداد إذا استمر الحصار.
الإبادة الإسرائيلية لا تقتصر على القصف والقتل المباشر، بل تتخذ من التجويع والتعطيش سلاحاً طويل الأمد، مدعوماً من سياسات إقليمية، على رأسها دور السيسي في إغلاق المعابر. هذا التواطؤ يضاعف الكارثة، ويجعل الحديث عن “أمن قومي مصري” مجرد غطاء لسياسات تتناقض مع أبسط قيم الإنسانية.
بين الصمت الدولي وخيانة الإقليم
على الرغم من صدور قرارات وأوامر واضحة من محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة وفتح ممرات إنسانية، تجاهلت إسرائيل كل ذلك بدعم أمريكي مباشر. في المقابل، بدلاً من أن تتحرك القاهرة لفرض دورها التاريخي، انحازت إلى معادلة الحصار، لتتحول من “بوابة نجاة” إلى شريك في إغلاقها.
إن ما يجري اليوم يعكس مفارقة مؤلمة: مساعدات ضخمة مكدسة في المخازن المصرية والأردنية، وقرى كاملة في غزة تموت جوعاً، بينما السيسي يواصل سياسة الصمت أو التواطؤ، في خيانة موصوفة لتاريخ مصر ودورها العربي.
خاتمة: مسؤولية مشتركة وجرح مفتوح
رسالة الأونروا واضحة: وقف المجاعة ممكن، وإنقاذ الأرواح ليس مستحيلاً. لكن العائق الحقيقي هو الاحتلال وحلفاؤه، وفي مقدمتهم النظام المصري بقيادة السيسي. ما يجري في غزة اليوم ليس “أزمة إنسانية طبيعية”، بل إبادة جماعية تتشارك فيها أطراف إقليمية ودولية، بالصمت أو بالفعل.
ويبقى السؤال: إلى متى يبقى الأطفال الفلسطينيون وقوداً لمعادلات سياسية خاسرة، بينما المساعدات محجوزة خلف أبواب مغلقة بقرار سياسي؟ الإجابة ستحدد إن كان العالم مستعداً لوقف هذه الجريمة، أم أنه اختار أن يكون شاهداً صامتاً على موت أمة بأكملها.
اقرأ أيضًا : الفصائل الفلسطينية: سلاحنا باقٍ ما دام الاحتلال.. جدل في لبنان بعد بدء تسليم أسلحة ببرج البراجنة