منذ أكثر من عام، تعيش مدينة الفاشر السودانية تحت حصار خانق حوّلها إلى “مقبرة لـ300 ألف شخص محاصرين”، في مشهد مأساوي يعكس حجم التخاذل الدولي تجاه السودان وحربه التي توصف بـ”المنسية”.
ومع دخول النزاع عامه الثالث منذ اندلاعه في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تواصل الأزمة الإنسانية الانحدار إلى مستويات غير مسبوقة، بينما يغضّ العالم الطرف عنها، منشغلا بأزمات أخرى تُدار وفق خرائط جيوسياسية وأولويات القوى الكبرى.

الفاشر المحاصرة.. الجوع والموت في عزلة قاتلة
تصف تقارير أممية الوضع في الفاشر بـ”المروّع”، حيث يعيش نحو 300 ألف مدني في عزلة تامة منذ يونيو/حزيران 2024 نتيجة الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع. فقد باتت العائلات تأكل علف الماشية للبقاء على قيد الحياة، بينما يموت العشرات شهريًا من سوء التغذية والأمراض. ووفق برنامج الأغذية العالمي، فإن المدينة تحولت إلى مقبرة للأحياء، وسط قصف يومي وانعدام الخدمات الأساسية، ما أدى إلى وفاة 63 شخصًا خلال شهر أغسطس/آب وحده بسبب الجوع والمرض.
هذا المشهد لا يقتصر على نقص الغذاء، بل يمتد إلى الانهيار الكامل للقطاع الصحي، حيث يتهدد الكوليرا حياة الآلاف، في وقت تفتقر فيه المدينة لأبسط مقومات البقاء. الناجون الذين يحاولون الفرار نحو المخيمات يتعرضون للقصف والاستهداف، كما أكدت مديرة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة إديم وسورنو، التي وصفت الوضع بأنه “كارثة إنسانية مركّبة”.
بيانات دولية بلا أثر.. ومفارقات تثير غضب الخرطوم
في الوقت الذي تستغيث فيه الفاشر وتطالب بفتح ممرات إنسانية، أصدرت مجموعة دولية تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة وسويسرا والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة بيانًا دعت فيه إلى فتح معبر “أدري” ووقف مؤقت للقتال لتسهيل إيصال المساعدات. لكن هذا البيان أثار استياء الخرطوم التي اعتبرته “مفارقًا للواقع”، لأنه تجاهل مسؤولية قوات الدعم السريع عن فرض الحصار واستهداف القوافل الإنسانية.
وزارة الخارجية السودانية وصفت البيان بأنه “يفتقر للدقة ويضع الأطراف في كفة واحدة”، خاصة بعد الهجوم الذي استهدف قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي قرب مدينة مليط، وأسفر عن إحراق ثلاث شاحنات محملة بمساعدات غذائية منقذة للحياة. ورأت الخرطوم أن مثل هذه المواقف تشرعن سلوكيات “الدعم السريع” بدلًا من تحميلها المسؤولية.
هل نسي العالم الفاشر؟
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس وجّه نداءً عاجلًا إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة، محذرًا من إبادة جماعية صامتة في الفاشر. وقال إن التاريخ سيسجل ما إذا اختارت الأمم المتحدة التضامن أو الصمت، مؤكدًا أن “مئات الآلاف قد يُتركون ليموتوا جوعًا في ظل استخدام التجويع كسلاح حرب”.
لكن صرخات الخرطوم ونداءات المنظمات الحقوقية لم تجد صدى عالميًا قويًا. المجتمع الدولي اكتفى بتصريحات ومطالبات فضفاضة، بينما استمرت قوات الدعم السريع في توسيع حصارها وتنفيذ هجمات ممنهجة على المدنيين والبنية التحتية. وهكذا تحوّلت الفاشر إلى عنوان للتخاذل الدولي، تمامًا كما تحولت من قبل سربرنيتسا ورواندا إلى رموز للفشل الجماعي في حماية المدنيين.
الرعاة الإقليميون للحرب.. الإمارات في مرمى الاتهام
ورغم نفيها المستمر، إلا أن تقارير دولية عديدة وضعت الإمارات في قلب الاتهامات بدعم قوات الدعم السريع. صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية والكورييه انترناشيونال الفرنسية كشفتا عن ارتباط الدعم الإماراتي بمصالح اقتصادية واستراتيجية في السودان، خصوصًا في البحر الأحمر ونهر النيل.
كما أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا في مايو/أيار 2025 يؤكد تورط أبو ظبي في تزويد قوات حميدتي بأسلحة صينية متطورة، تشمل قنابل موجهة ومدافع ميدانية، في خرق محتمل لحظر السلاح المفروض على دارفور منذ 2004. هذه الاتهامات تعززها تصريحات مسؤولين سودانيين يرون أن استمرار تدفق الأسلحة والمرتزقة هو ما أطال أمد الحرب ومنع أي تسوية سياسية مبكرة.
السفير السوداني في بريطانيا بابكر الصديق الأمين اعتبر أن الصراع في جوهره “حرب مفروضة من الخارج”، مشيرًا إلى أن الإمارات هي “الراعي الإقليمي” لقوات الدعم السريع.
المعركة على دارفور وكردفان.. أبعاد استراتيجية
لم تعد الفاشر مجرد مدينة محاصرة، بل أصبحت ساحة لمعركة استراتيجية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. الأخيرة ترى أن السيطرة على كردفان خط دفاع رئيسي عن دارفور، وتسعى عبرها لتثبيت وجودها. في المقابل، وسّع الجيش عملياته ليستعيد زمام المبادرة، ما أدى إلى تراجع مناطق سيطرة “الدعم السريع” التي باتت محصورة في أجزاء من دارفور وبعض الجيوب في كردفان والنيل الأزرق.
هذه المعارك المتواصلة تُظهر أن الحرب ليست صراعًا داخليًا فحسب، بل معركة إقليمية ودولية بالوكالة، تقف خلفها مصالح دول تبحث عن النفوذ والثروات في السودان.
خاتمة.. الفاشر مرآة للفشل العالمي
بعد أكثر من عام من الحصار، ما زالت الفاشر تصرخ، لكن صرختها تضيع في زحمة الأزمات الدولية. لقد تحولت المدينة إلى رمز للتخاذل الدولي، حيث يُترك 300 ألف إنسان لمصيرهم القاتم بين الجوع والمرض والموت، في ظل عجز الأمم المتحدة وتواطؤ بعض القوى الإقليمية.
التاريخ سيسجل أن السودان، مثل رواندا من قبل، كان ساحة لإبادة صامتة سمح بها العالم، وأن الفاشر لم تكن مجرد مدينة محاصرة، بل شاهدة على خيانة الضمير الإنساني.
اقرأ أيضًا : جيش الاحتلال يعترف بمقتل ضابط.. و”القسام” ترد باستهداف دبابتين جنوب غزة