بقلم / أحمد محمد أحمد

بينما ينشغل العالم بمآسي العدوان الإسرائيلي على غزة والضفة الغربية، تتكشف تباعًا شهادات مروّعة عن أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال. شهادات صادرة عن أسرى محررين، وتقارير حقوقية، وتصريحات مباشرة من مسؤولين في حركة حماس، تكشف عن أن ما يجري خلف جدران المعتقلات يرقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان، تمارسها سلطات الاحتلال بشكل منظم وممنهج.

الحديث لم يعد مقتصرًا على التضييق اليومي أو انتهاك بعض الحقوق الأساسية، بل وصل إلى مستوى من الوحشية يعبّر عن سياسة مدروسة هدفها تحطيم الأسير جسديًا ونفسيًا ومعنويًا.

الانتهاكات الممنهجة: من التجويع إلى التعذيب

بحسب الشهادات، فإن إدارة السجون الإسرائيلية تنتهج سياسة التجويع والإذلال بشكل يومي، حيث يُقدّم الطعام بكميات ضئيلة ونوعية رديئة، بعضها لا يصلح للاستهلاك الآدمي، وأحيانًا يُترك متعفنًا أو ملوثًا قبل تقديمه للأسرى. إلى جانب ذلك، تُسحب أدوات الطبخ من الأقسام، ويُجبر الأسرى على تناول طعام معدّ بطريقة سيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من القيمة الغذائية.

كما يتعرض الأسرى لحرمان متعمد من الرعاية الطبية، حيث يشتكي العديد منهم من أمراض جلدية وفطرية وانتشار مرض “الجرب” داخل الزنازين، في ظل غياب مواد التنظيف الشخصية ومنع إدخالها من الخارج. الأخطر أن الاحتلال يمارس ما يُعرف بـ”الجرائم الطبية”، إذ يتعمد ترك الأمراض تتفاقم، ويمنع الدواء عن المرضى، بما يؤدي إلى استشهاد بعضهم نتيجة الإهمال المتعمد.

أما التعذيب، فهو المشهد الأكثر قتامة؛ حيث تُسجل شهادات عديدة عن صعق الأسرى بالكهرباء، سكب الماء الساخن على أجسادهم، إجبارهم على التعري الكامل، وتقييدهم في وضعيات مؤلمة لساعات طويلة. كما تُمارس وحدات القمع اعتداءات وحشية عند كل “فحص أمني”، تتضمن الضرب المبرح والإذلال العلني وإجبار الأسرى على الانحناء في أوضاع مهينة.

بعد 7 أكتوبر.. جحيم مضاعف

ما بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اختلفت الأوضاع بشكل جذري. فقد منح وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير تعليمات مباشرة بتشديد العقوبات على الأسرى، في محاولة للانتقام الجماعي. ومنذ ذلك التاريخ، ارتقى داخل السجون 76 أسيرًا نتيجة التعذيب والإهمال، أي بمعدل شهيد واحد كل 8 أيام، فيما تتحدث تقارير أخرى عن عشرات من أسرى غزة الذين أُخفيت أسماؤهم قسرًا ولم يُكشف عن مصيرهم حتى الآن.

الإجراءات العقابية شملت تقليص الطعام والماء، تقييد الاستحمام بدقيقتين فقط، تقليص زيارات الأهالي لتصبح مرة واحدة كل شهرين، وزيادة العزل الانفرادي بشكل غير مسبوق. كذلك ألغت إدارة السجون الاعتراف بالفصائل، وسحبت موقع ممثل الأسرى، في محاولة لتفكيك البنية التنظيمية داخل السجون.

معاناة النساء والأطفال.. إذلال مضاعف

الأسيرات الفلسطينيات والأطفال لم يكونوا بمنأى عن هذه الانتهاكات. فإلى جانب الحرمان من الغذاء والعلاج، تتعرض الأسيرات لسياسات إذلال متعمدة، تشمل نزع الحجاب والتفتيش العاري، فضلًا عن حرمانهن من الفوط الصحية في فترات الدورة الشهرية، ما يزيد من معاناتهن الجسدية والنفسية بشكل صادم. أما الأطفال، فيُعاملون بذات القسوة، دون مراعاة لسنهم أو وضعهم الإنساني، في خرق واضح لكل الأعراف الدولية المتعلقة بحقوق الطفل.

“المقاتل غير الشرعي”.. غطاء للإخفاء القسري

من أبرز الأدوات القانونية التي يستخدمها الاحتلال ضد أسرى غزة هو ما يسمى بـ”قانون المقاتل غير الشرعي”، الذي يتيح اعتقال أي شخص دون محاكمة، استنادًا إلى “معلومات سرية” لا تُعرض على المحاكم ولا حتى على المحامين. 

هذا القانون الخطير يشكّل غطاءً رسميًا لارتكاب جرائم الإخفاء القسري والتعذيب والقتل البطيء، بما يخالف بشكل صارخ اتفاقيات جنيف التي تلزم الاحتلال بتوفير الحماية للمدنيين والأسرى.

الصفقة المرتقبة.. نافذة أمل وسط العتمة

رغم قسوة الظروف، يظل الأمل حاضرًا عبر مفاوضات تبادل الأسرى. المقترح الأخير الذي يجري تداوله يتضمن إطلاق سراح 1500 أسير اعتُقلوا بعد 7 أكتوبر، إضافة إلى 140 أسيرًا محكومًا بالمؤبد، و60 أسيرًا محكومًا بأحكام عالية، فضلًا عن تسليم جثامين عشرة شهداء فلسطينيين مقابل كل جثة قتيل إسرائيلي. 

رغم التعنت الإسرائيلي ورفضه المتكرر لإبرام صفقة، يبقى ملف الأسرى في صدارة أولويات المقاومة الفلسطينية، التي ترى فيه قضية وطنية لا يمكن التنازل عنها.

المجتمع الدولي.. شريك بالصمت

على الرغم من فظاعة الانتهاكات، يقف المجتمع الدولي موقف المتفرج، بل الشريك بالصمت. لم تُسجّل أي خطوات جدية للضغط على الاحتلال من أجل وقف جرائمه بحق الأسرى، في حين تتعامل معظم الحكومات الغربية بازدواجية معايير واضحة. هذا العجز والتواطؤ ساهم في إطالة أمد معاناة الأسرى وتركهم فريسة للسياسات الإسرائيلية الانتقامية.

الخاتمة: قضية الأسرى.. جرح مفتوح

ما يجري داخل السجون الإسرائيلية ليس مجرد “تجاوزات” أو “انتهاكات فردية”، بل سياسة ممنهجة تستهدف كسر الإنسان الفلسطيني وإذلاله. الأسرى الذين يشكلون ضمير الشعب الفلسطيني وطلائعه النضالية يُواجهون يوميًا الموت البطيء خلف القضبان، بينما يظل صوتهم محاصرًا ومحجوبًا عن العالم. إن تحويل قضيتهم إلى قضية رأي عام عالمي، وفضح جرائم الاحتلال بحقهم، لم يعد واجبًا وطنيًا فقط، بل مهمة إنسانية وأخلاقية عاجلة تستدعي تضافر الجهود الإعلامية والحقوقية لإبقاء ملفهم حاضرًا حتى ينالوا حريتهم.

اقرأ أيضًا : تفاعل واسع مع جريمة استهداف صحفيي خانيونس ومجزرة مجمع ناصر