أعلنت شرطة لندن توجيه اتهامات إلى 67 شخصًا بتهمة دعمهم لمنظمة “فلسطين أكشن”، وهي حركة بريطانية تأسست عام 2020 وتتبنى أسلوب “العمل المباشر” لتعطيل مصانع وشركات السلاح التي تزوّد جيش الاحتلال الإسرائيلي بمعداته القتالية. ووفق بيان الشرطة، فإن المتهمين سيُعرضون على القضاء خلال تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بينما وُجهت اتهامات لثلاثة أشخاص آخرين مطلع الشهر ذاته، في إطار حملة متواصلة ضد كل من يعلن تعاطفه مع القضية الفلسطينية أو يشارك في أنشطة احتجاجية ضد الاحتلال. وفي حال إدانتهم، يواجه المتهمون أحكامًا بالسجن قد تصل إلى ستة أشهر، في خطوة اعتبرها نشطاء حقوق الإنسان تصعيدًا خطيرًا يهدد حق التعبير والاحتجاج السلمي.
اللافت أن هذه التطورات تأتي بعد أن أقدمت الحكومة البريطانية في تموز/يوليو الماضي على حظر الحركة وتصنيفها “منظمة إرهابية”، عقب قيام نشطائها برش طلاء على طائرتين عسكريتين في قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي. القرار لم يكن أمنيًا بحتًا، بل جاء انعكاسًا لتحالف سياسي – اقتصادي مع إسرائيل، حيث تلعب شركات السلاح البريطانية دورًا محوريًا في دعم آلة الحرب ضد الفلسطينيين.

انتقادات حقوقية وتناقض الرواية البريطانية
خطوة الحظر أثارت ردود فعل قوية من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، إذ رأت فيها تجاوزًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لحرية التعبير. المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فولكر تورك، شدد على أن القرار “غير متناسب وغير ضروري”، ودعا الحكومة البريطانية إلى إلغائه، معتبرًا أنه يقيّد حقوق الأفراد في المملكة المتحدة ويضعف صورة الديمقراطية البريطانية.
لكن وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر دافعت عن الخطوة، زاعمة أن “الأمن القومي والسلامة العامة في المملكة المتحدة يجب أن يكونا دائمًا على رأس الأولويات”. المفارقة هنا أن الحكومة تساوي بين الاحتجاج السلمي وتعطيل عمل شركات السلاح وبين الإرهاب، في الوقت الذي تواصل فيه تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، من قتل جماعي وحصار وتجويع. هذا التناقض يكشف هشاشة الخطاب الرسمي البريطاني الذي يرفع شعارات الديمقراطية بينما يضيّق على من يطالبون بالعدالة.
رموز ثقافية وأدبية تنحاز لفلسطين
ورغم القمع الأمني، فإن حركة “فلسطين أكشن” تحظى بتعاطف واسع داخل الأوساط الثقافية والأكاديمية البريطانية والأوروبية. فقد أعلنت الكاتبة الأيرلندية سالي روني أنها ستتبرع بعوائد مسلسلين مقتبسين عن رواياتها لصالح الحركة، في رسالة واضحة بأن التضامن مع فلسطين لا يمكن كبته بالقوانين الجائرة. كما ألقت الشرطة الاسكتلندية القبض على الكاتب المعروف بول لافيرتي خلال احتجاج في إدنبرة لدعمه الحركة، وهو ما أطلق موجة انتقادات حول تجريم المبدعين لمجرد مواقفهم السياسية.
هذا الامتداد الثقافي للحركة يعكس فشل الرواية الإسرائيلية التي تحاول تصوير أي دعم لفلسطين على أنه “تأييد للإرهاب”. فعندما يقف الأدباء والفنانون إلى جانب قضية شعب يُعاني الاحتلال منذ عقود، تتحول الحملة الأمنية البريطانية إلى محاولة يائسة لكبح موجة تضامن تتسع يومًا بعد يوم.
حركة تعري الاحتلال وتكشف الشراكة البريطانية
تقوم فلسفة “فلسطين أكشن” على تعطيل سلاسل التوريد العسكرية التي تغذّي آلة الحرب الإسرائيلية، وذلك عبر اقتحام المصانع، الاعتصام أمامها، رش الطلاء الأحمر على جدرانها، أو تخريب معداتها لمنع استمرار إنتاج السلاح. أبرز عملياتها كانت ضد مصنع تابع لشركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية في مدينة بريستول، وهو ما أدى إلى تعطيل إنتاج الطائرات المسيّرة التي استخدمتها إسرائيل في غزة.
بهذه الأفعال، تحولت الحركة إلى كابوس حقيقي للشركات المتورطة في دعم الاحتلال، حيث فضحت الدور البريطاني المباشر في تزويد إسرائيل بأدوات القتل، وأجبرت الرأي العام على طرح سؤال أخلاقي: كيف يمكن لدولة تدّعي الدفاع عن الديمقراطية أن تكون شريكًا في حرب إبادة؟
انهيار رواية الاحتلال أمام العمل المباشر
منذ تأسيسها على يد الناشط البريطاني ريتشارد برنارد والناشطة البريطانية – الفلسطينية هدى عموري، أعلنت الحركة أهدافًا واضحة: إنهاء التواطؤ البريطاني في جرائم الحرب الإسرائيلية، ودعم حق تقرير المصير للفلسطينيين، وحق عودة اللاجئين. هذه الأهداف، وإن بدت مثالية، فإنها تكشف جوهر أزمة الاحتلال: فهو لا يستطيع مواجهة الاحتجاج السلمي إلا بتجريمه ووصمه بـ”الإرهاب”.
إن توجيه اتهامات إلى 67 شخصًا لا يعكس قوة الدولة البريطانية، بل يفضح خوفها من اتساع رقعة الاحتجاج ضد الاحتلال وشركات السلاح المتعاونة معه. ومع كل محاولة لتجريم “فلسطين أكشن”، تتكشف هشاشة الرواية الرسمية الإسرائيلية – البريطانية التي تزعم أن الاحتلال “يدافع عن نفسه”، بينما الواقع يقول إن هناك شعوبًا غربية بدأت تدرك زيف هذه الرواية وتنحاز للعدالة.
خاتمة: صراع بين القمع والحرية
القضية لم تعد مجرد محاكمة لـ67 ناشطًا، بل هي اختبار جدي للديمقراطية البريطانية: هل ستبقى لندن وفية لشعاراتها عن حقوق الإنسان، أم ستستسلم لضغوط الاحتلال وشركات السلاح؟ الحقيقة أن حركة “فلسطين أكشن” رغم حظرها، نجحت في إعادة النقاش إلى جذوره: بريطانيا شريك في حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين، وهذا الشريك يحاول الآن إسكات كل من يكشف الحقيقة.
في النهاية، قد تحاكم المحاكم البريطانية النشطاء وتصدر بحقهم أحكامًا بالسجن، لكنهم في الوعي الجمعي العالمي يمثلون خط المواجهة الأول ضد الاحتلال، فيما يظهر الاحتلال وداعموه كقوة متهاوية لا تملك سوى القمع والتجريم. وبذلك يتحقق العكس مما أرادته لندن: تعزيز التضامن مع فلسطين وكشف انهيار رواية الاحتلال أمام أصوات الحرية.
اقرأ أيضًا : اعتقال ميدو في لندن: صفعة جديدة لبلطجة نظام السيسي في الخارج