بقلم ـ محمود الدمنهوري

لا تزال أروقة القرار في تل أبيب تضج بخلافات غير مسبوقة بين قيادات الجيش الإسرائيلي بشأن مستقبل العمليات في قطاع غزة، وذلك في أعقاب صمود المقاومة الفلسطينية ورفضها الرضوخ للضغوط السياسية والعسكرية.

هذا الانقسام، الذي خرج إلى العلن عبر تسريبات وتصريحات في الإعلام العبري، يعكس حجم المأزق الذي تواجهه حكومة الاحتلال بين خيار المضي في اجتياح شامل لمدينة غزة، أو التريث وإعطاء الأولوية لقضية الأسرى.

خلافات داخلية تتفجر بعد اجتماع الكابينت

بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن اجتماع مجلس الوزراء الأمني المصغر (الكابينت) الذي انعقد الثلاثاء انتهى دون التوصل إلى قرار بشأن الهدنة، ليتقرر تأجيل النقاش حتى الأحد القادم. هذا الغياب لأي حسم فوري أثار استياءً واسعًا في الداخل الإسرائيلي، خاصة بين عائلات الأسرى الذين يطالبون بإعطاء الأولوية لملف ذويهم على حساب التصعيد العسكري.

المراسل العسكري رون بن يشاي كشف أن الانقسام لا يقتصر على الجمهور فقط، بل تسلل أيضًا إلى قلب المؤسسة العسكرية العليا. فهناك تياران متعارضان: الأول يقوده رئيس الأركان هرتسي هليفي، والثاني يضم عدداً من الجنرالات الميدانيين. جوهر الخلاف يدور حول أيهما أحق بالأولوية: تحرير الأسرى عبر صفقة جزئية مع حماس، أم مواصلة الضغط العسكري عبر احتلال مدينة غزة.

رؤية رئيس الأركان: الحصار أولاً وتأجيل الاجتياح

التوجه الذي يتبناه هليفي يقوم على مبدأ التدرج. فهو يرى أن عقد صفقة جزئية مع المقاومة الآن قد يجنب الجيش الإسرائيلي الانخراط في معركة شاملة مكلفة، على الأقل إلى حين اتضاح نتائج المفاوضات بشأن اتفاق أوسع لإطلاق سراح جميع الأسرى ووقف الحرب.

هليفي أوضح، وفق ما نقله بن يشاي، أن الاستراتيجية الأنسب تبدأ بفرض حصار خانق على غزة، ثم إخلاء السكان تدريجيًا، قبل الانتقال إلى عمليات محدودة في المناطق التي تشير المعلومات الاستخبارية إلى خلوها من الأسرى. الهدف من هذه المقاربة مزدوج: الحفاظ على حياة المحتجزين لدى المقاومة، وتقليل الخسائر في صفوف قوات الاحتلال، خصوصًا قوات الاحتياط المنهكة بفعل طول أمد الحرب.

هذا النهج يتطلب استخدام الحد الأدنى من الطواقم القتالية وتجنب الإنهاك الميداني، وهو ما يراه هليفي ضمانة لتفادي استنزاف طويل الأمد قد يُفقد الجيش قدرته على المناورة في جبهات أخرى.

تيار الجنرالات: الحسم العسكري أولاً

في المقابل، يقود عدد من الجنرالات واللواءات البارزين تيارًا مناقضًا يعتبر أن خطة هليفي تعاني “عيبًا رئيسيًا”، يتمثل في إطالة أمد الصراع ومنح المقاومة الفلسطينية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها. هؤلاء يرون أن أي صفقة جزئية ستفقد إسرائيل زخمها العسكري وتضعف قدرتها على فرض شروطها على حماس.

“مدرسة كبار هيئة الأركان” – كما يسميها بن يشاي – تدعو إلى تنفيذ فوري وسريع لخطة السيطرة على مدينة غزة، وعدم التوقف إلا إذا أعلنت حماس استعدادها للإفراج عن جميع الأسرى والقبول بالشروط الإسرائيلية بالكامل. بالنسبة لهؤلاء، التراجع أو التريث يعني خسارة استراتيجية قد تنعكس على مكانة إسرائيل الإقليمية وقدرتها على الردع.

حكومة نتنياهو بين المدرستين

القرار الذي خرج به الكابينت هذا الأسبوع بدا وكأنه حل وسط. فوفق التسريبات، تقرر الاتجاه نحو مفاوضات على اتفاق شامل لا يقتصر على جزء من الأسرى، لكن بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية في غزة، بما في ذلك خيار الاحتلال الكامل إذا رفضت حماس الشروط المطروحة.

مع ذلك، يكشف الإعلام العبري أن الغلبة في الكابينت كانت لتيار الجنرالات، إذ أفاد موقع والا بأن جميع أعضاء المجلس – باستثناء رئيس الأركان – وافقوا على خطة الهجوم الواسع. هذا يعكس أن الرؤية المتشددة تحظى بالأولوية داخل الحكومة رغم التحفظات المهنية لرئيس الأركان.

المقاومة تفرض معادلتها

القناة 12 العبرية أكدت أن إسرائيل أبلغت مصر بأنها لن تقبل باتفاق مرحلي، بل فقط باتفاق شامل، في مؤشر على رغبة نتنياهو وحكومته في فرض معادلة جديدة تحت النار. لكن توقيت هذا الإعلان جاء بعد قبول حماس مقترح الوسطاء المصريين والقطريين بشأن اتفاق جزئي، ما كشف أن المقاومة نجحت في فرض معادلة “الأسرى قبل الاجتياح”، ودفعت إسرائيل إلى إظهار ارتباكها الداخلي.

حماس بدورها علّقت بأن موافقة نتنياهو على توسيع العمليات العسكرية بعد إعلانها قبول المقترح، تؤكد أن إسرائيل غير معنية بأي حل، بل تسعى إلى عرقلة أي انفراجة إنسانية، واستخدام ملف الأسرى كورقة ضغط سياسية داخلية.

خاتمة: صمود غزة يكسر وحدة القرار

الانقسام داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية لم يكن ليطفو على السطح لولا صمود المقاومة وقدرتها على إدارة ملف الأسرى بذكاء. فبدلاً من أن تُفرض على المقاومة شروط الاستسلام، تحولت إسرائيل نفسها إلى ساحة جدل وصراع بين مدرستين: مدرسة ترى أن الحسم العسكري ضرورة وجودية، وأخرى تخشى من مغبة تجاهل ملف الأسرى وانعكاسه على الداخل الإسرائيلي.

في النهاية، يوضح المشهد أن ما جرى ليس مجرد نقاش داخلي، بل انعكاس لحقيقة أعمق: المقاومة الفلسطينية استطاعت أن تزرع الشك والانقسام في عقل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وهو ما قد يغير مسار الحرب كليًا.

اقرأ أيضًا : بدعم أبوظبي.. اتهامات جديدة ضد “الدعم السريع” باختطاف نازحات من أبو شوك