في مشهد مأساوي متكرر، أعلنت وزارة الصحة المصرية اليوم السبت مقتل 3 أشخاص وإصابة 94 آخرين، جراء انقلاب عربات قطار ركاب بمحافظة مطروح غربي البلاد. الحادث وقع قرب مدينة الضبعة إثر خروج 7 عربات عن القضبان وانقلاب اثنتين منها، وكان القطار في طريقه من مطروح إلى الإسكندرية.

الأهالي هرعوا كعادتهم لإنقاذ الركاب ونقل المصابين إلى مستشفى الضبعة المركزي، بينما سارعت وسائل الإعلام الرسمية لترديد تصريحات الوزير كامل الوزير الذي ظهر سريعاً في موقع الحادث، متحدثاً عن “لجنة فنية” وعن “معاقبة المتسبب”، في خطاب مكرر ومستهلك اعتاد المصريون سماعه بعد كل كارثة.

حوادث متكررة.. نزيف لا يتوقف

لم يعد الحديث عن انقلابات القطارات في مصر مفاجئاً، فالحادث الأخير ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من الكوارث التي أودت بحياة المئات خلال السنوات الأخيرة.

في عهد عبد الفتاح السيسي ووزير نقله كامل الوزير، تحولت السكك الحديدية إلى مقابر جماعية مفتوحة. فقبل عامين فقط، شهدت محافظة سوهاج حادثاً مروعاً أودى بحياة العشرات وأصاب المئات، سبقه حريق قطار محطة رمسيس عام 2019 الذي خلف عشرات القتلى والجرحى، ناهيك عن حوادث متفرقة في الإسكندرية والمنيا وأسيوط.

ورغم كل هذه الكوارث، لم تتم محاسبة أي مسؤول كبير بشكل جدي، بل ظلت الحكومة تتذرع بـ”خطأ بشري” أو “عطل فني”، فيما يستمر نزيف الدماء على القضبان.

خطاب الوزير.. وعود بلا تنفيذ

منذ توليه حقيبة النقل، لم يتوقف كامل الوزير عن إطلاق الوعود بـ”تطوير شامل” و”تحديث الأسطول” و”تصفية الفاسدين”، لكنه في المقابل لم يقدّم للمصريين سوى مشاهد مأساوية تتكرر كل عام. الوزير الذي جاء من المؤسسة العسكرية استند إلى خلفيته الانضباطية في تقديم صورة “القائد الحازم”، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في أهم اختبار: الحفاظ على حياة المواطنين.

تصريحاته عقب كل حادث تكاد تكون نسخة طبق الأصل: تشكيل لجنة، تحديد المسؤول، محاسبة صارمة. لكن بعد أيام، تُطوى الملفات بلا نتائج، وكأن دماء الضحايا مجرد رقم في سجلات وزارة الصحة.

بنية تحتية منهارة رغم مليارات القروض

المفارقة أن النظام الحالي لم يتوقف عن الحديث عن “المليارات المرصودة لتطوير السكك الحديدية”، سواء عبر القروض أو الاتفاقيات مع شركات أجنبية. لكن ما يراه المواطن على الأرض هو قضبان متهالكة، عربات قديمة، غياب منظومة أمان، وإهمال كارثي في الصيانة.

الحادث الأخير قرب الضبعة كشف هذا الواقع، إذ أن خروج سبع عربات كاملة عن القضبان لا يمكن أن يكون “خطأ فردياً”، بل هو دليل على انهيار شامل في البنية التحتية وغياب معايير السلامة.

السيسي والوزير.. شراكة في الفشل

منذ أن عيّن السيسي كامل الوزير وزيراً للنقل بعد حريق محطة رمسيس، اعتبر الأمر بمثابة “تطعيم المؤسسة العسكرية” في قطاع مدني حساس. لكن الواقع أثبت أن الوزير مجرد امتداد لنهج السيسي نفسه: إنكار للمسؤولية، تلميع إعلامي، وإلقاء اللوم على صغار الموظفين.

المصريون يرون اليوم أن الوزير والسيسي شريكان في الفشل، بل في الجريمة، لأن استمرار هذه الحوادث ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال والفساد التي كرّستها السلطة. فبينما يُنفق النظام مليارات على مشروعات استعراضية مثل القطار الكهربائي السريع الذي يخدم العاصمة الإدارية، تبقى خطوط القطارات الشعبية التي تنقل الفقراء والطبقة الوسطى مهملة ومفخخة بالموت.

الدم المصري رخيص في عهد الاستبداد

حادث قطار مطروح الأخير يعكس فلسفة النظام في التعامل مع حياة المصريين: الاستهانة، الصمت، وتكرار الأكاذيب. ثلاثة قتلى و94 مصاباً ليسوا سوى أرقام جديدة تضاف إلى سجل طويل من المآسي التي تذكر المصريين بأن دماءهم أرخص من أن تُصان.

وفي الوقت الذي يُفترض أن تفتح هذه الكارثة نقاشاً وطنياً حول محاسبة الفاسدين وإعادة النظر في إدارة قطاع النقل، فإن المصريين يعرفون جيداً أن شيئاً لن يتغير، وأن أرواحهم ستظل رهينة قطارات الموت ما دام السيسي ووزيره كامل الوزير متمسكين بالكراسي، غير عابئين بضحايا الإهمال والفساد.

اقرأ أيضًا : موجة موت بطيء خلف القضبان.. هل تتحول السجون المصرية إلى مقابر جماعية؟