في تطور خطير يعكس حجم المأساة الإنسانية في غزة، حذّرت المتحدثة باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) تيس إنغرام من تفاقم خطر المجاعة داخل القطاع، مؤكدة أن الكارثة الإنسانية لم تعد مجرد تحذيرات على الورق، بل واقع يعيشه الفلسطينيون يوميًا. 

إنغرام أوضحت أن المجاعة لم تعد مقتصرة على شمال وشرق غزة، بل باتت مهددة بالامتداد إلى وسط القطاع خلال أسابيع قليلة إذا لم يتم التدخل العاجل. هذه التصريحات جاءت بعد زيارات ميدانية لعدد من المستشفيات والمخيمات، حيث نقلت شهادات مؤلمة عن عائلات فقدت القدرة على تأمين الغذاء والماء لأطفالها، وسط استمرار القصف الإسرائيلي الذي يضاعف من حجم الكارثة.

مأساة الأطفال.. الوجه الأكثر قسوة للحصار

تسليط الضوء على الأطفال لم يكن مصادفة، إذ أكدت المتحدثة الأممية أن مديري المستشفيات أخبروها بارتفاع غير مسبوق في عدد الأطفال الذين يصلون بجروح وكسور وحروق، نتيجة القصف المتواصل. إلى جانب الإصابات المباشرة، يعاني مئات الأطفال من سوء التغذية الحاد، ونقص الأدوية الأساسية التي تمنع المضاعفات الخطيرة. إنغرام سردت تفاصيل لقاءات شخصية مع آباء وأمهات يمسكون بيدها باكين، يتوسلون وصول الطعام قبل فوات الأوان، ويطرحون سؤالاً موجعًا: هل سيبقى أطفالنا على قيد الحياة حتى تصل المساعدات؟ هذا البعد الإنساني يكشف أن معاناة الأطفال ليست عرضًا جانبيًا للحرب، بل أداة ضغط ممنهجة تمارسها دولة الاحتلال عبر سياسة التجويع.

الحصار الممتد.. من “الخطوط الحمراء” إلى الإبادة الجماعية

الوضع المأساوي الحالي لا يمكن فصله عن حصار مستمر منذ 18 عامًا، حيث فرضت إسرائيل قيودًا مشددة على دخول الغذاء والدواء والوقود، معتمدة على ما سُمي سابقًا بـ”وثيقة الخطوط الحمراء” التي تحدد الحد الأدنى من السعرات الحرارية التي يُسمح بدخولها إلى غزة. ومع اندلاع حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، انتقل الاحتلال إلى سياسة “التجويع الكامل”، فأغلق كل المعابر المؤدية إلى القطاع مطلع آذار/ مارس 2025، ومنع دخول أي مساعدات إنسانية تقريبًا، ما أدى إلى مجاعة تضرب كل بيت فلسطيني. رغم تكدس الشاحنات على الحدود، فإن الاحتلال يتعمد منع إدخالها أو السماح بدخول كميات قليلة جدًا لا تفي بالاحتياجات، فيما تُتهم عصابات مدعومة إسرائيليًا بالسطو على جزء من المساعدات.

الأرقام الفاضحة.. مجزرة بطيئة عبر الجوع

التقارير الصادرة من المؤسسات المحلية والدولية تشير إلى أرقام مفزعة: منذ بدء الحرب، استشهد أكثر من 64 ألف فلسطيني وأصيب 162 ألفًا، معظمهم من النساء والأطفال، فيما لا يزال أكثر من 9 آلاف في عداد المفقودين. لكن المجاعة نفسها باتت تزهق أرواح المئات، حيث توفي 382 فلسطينيًا بسبب الجوع المباشر، بينهم 135 طفلًا. هذه الأرقام لا تعكس فقط هول المأساة، بل تكشف عن مسار إبادة بطيئة، إذ يتحول الغذاء إلى سلاح يقتل ببطء، في ظل غياب ضغط دولي حقيقي يوقف هذه السياسة.

عجز دولي وصمت متواطئ

رغم التحذيرات المتكررة من المنظمات الأممية والصحية والحقوقية، إلا أن شيئًا لم يتغير على الأرض. إنغرام لفتت إلى أن الصحفيين والناشطين كانوا يطلقون الإنذارات منذ أشهر، لكن العالم تجاهل أصواتهم، وهو ما عمّق شعور الفلسطينيين بالعجز واليأس. الغريب أن الدول الكبرى، بدلًا من فرض ضغط فعال على الاحتلال، اكتفت ببيانات القلق، فيما تواصل الولايات المتحدة دعمها الكامل لتل أبيب سياسيًا وعسكريًا، ما يجعلها شريكًا مباشرًا في جريمة التجويع.

مستقبل غامض ومصير قاتم

المشهد اليوم في غزة لا يُبشّر بأي انفراج قريب، فالأهالي الذين نزحوا من شرق وشمال القطاع يتكدسون على شريط ساحلي ضيق، يعيشون في خيام بائسة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. ومع ارتفاع الحرارة وشح المياه وانتشار الأوبئة، يصبح خطر الموت جوعًا أو مرضًا أو قصفًا قائمًا في كل لحظة. الحلول لا تزال مرهونة بقرار سياسي دولي غائب، فيما يظل الفلسطينيون أسرى سياسة ممنهجة تسعى إلى كسر إرادتهم عبر تحويل الجوع إلى أداة إخضاع.

خلاصة

تحذيرات اليونيسف الأخيرة ليست سوى ناقوس خطر جديد ينضم إلى سلسلة طويلة من التحذيرات السابقة، لكنها تحمل هذه المرة بعدًا أكثر مأساوية، إذ تتحدث عن مستقبل أسابيع قادمة قد تحمل توسع المجاعة إلى كامل قطاع غزة. وفي ظل استمرار الحصار وغياب الإرادة الدولية، تبدو حياة أكثر من مليوني فلسطيني رهينة قرار الاحتلال الذي يحول الغذاء إلى سلاح، والعالم يقف متفرجًا. مأساة غزة لم تعد مجرد أزمة إنسانية، بل جريمة موصوفة بإبادة جماعية عبر التجويع، وامتحان حقيقي لضمير البشرية.

اقرأ أيضًا : استجواب ممثلي شركات أسلحة إسرائيلية في بولندا: “التربح من دماء غزة” يلاحقهم