شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية موجة واسعة من الانتقادات والغضب الشعبي تجاه مسودة القرار الأولي الصادر عن القمة العربية الإسلامية الطارئة المنعقدة في العاصمة القطرية الدوحة، والتي جاءت – بحسب كثير من المعلقين – دون المستوى المأمول ولا ترقى لحجم التحديات والمخاطر التي يواجهها الإقليم بعد الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق على الأراضي القطرية الأسبوع الماضي.

 

خيبة أمل شعبية من لغة “مهادِنة”

منذ تسريب البنود الأولية لمسودة القرار، انهالت التعليقات الغاضبة على المنصات الرقمية، حيث اعتبر ناشطون ومحللون أنّ الصياغة التي تم تبنيها بدت “رخوة ومهادِنة” ولا تعكس حجم الغضب الشعبي المتفجر من جرّاء الاعتداء الإسرائيلي على الدوحة، ولا تتناسب مع مشهد التضامن الشعبي العربي والإسلامي الذي طالب بتحرك سياسي قوي.

وأشار مغردون إلى أنّ شعوب المنطقة لم تكن تنتظر من القمة تكرار عبارات الشجب والاستنكار التقليدية، بل قرارات عملية صارمة كقطع العلاقات أو فرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية أو حتى تعليق مسارات التطبيع، لكن ما ورد في المسودة – وفق وصفهم – لا يتجاوز كونه “بيانًا إنشائيًا للحفاظ على السلام”، وكأن الاعتداء على قطر مجرد حادث عرضي لا يستدعي المواجهة.

وتداول كثير من النشطاء هاشتاغات ساخرة من مضمون المسودة، مؤكدين أنّها تكشف استمرار الهوة العميقة بين الشارع الغاضب والأنظمة الرسمية التي تتعامل بمنطق “التهدئة بأي ثمن” حتى في وجه عدوان مباشر على دولة عربية ذات سيادة.

خطاب مكرور يهدد بفقدان المصداقية

واعتبر محللون أنّ ما جاء في مسودة قرار قمة الدوحة يمثل استنساخًا حرفيًا للغة البيانات الرسمية التي دأبت القمم العربية والإسلامية على إصدارها عقب كل عدوان إسرائيلي، دون أن تحقق أي تغيير حقيقي على الأرض أو تردع الاحتلال عن مواصلة جرائمه.

وأشاروا إلى أنّ الاكتفاء بالتلويح بأنّ “استمرار الأعمال العدائية الإسرائيلية يهدد جهود السلام والتعايش ويقوّض مسار التطبيع”، يعكس منطقًا مقلوبًا، إذ يوحي بأن المشكلة تكمن في تهديد إسرائيل لعملية التطبيع، وليس في كونها تمارس إبادة جماعية وجرائم حرب وانتهاكات صارخة للقانون الدولي.

ووصف معلقون هذا الخطاب بـ”المنفصل عن الواقع”، موضحين أنّه يحاول إنقاذ مسار التطبيع أكثر من محاسبة المعتدي، ويغفل كليًا الدماء التي سالت في غزة، والعدوان الصاروخي على الدوحة الذي كان يستهدف قيادات سياسية. هذا المنطق – كما قالوا – يفقد القمة مصداقيتها أمام شعوب المنطقة التي تنظر إليها كفرصة تاريخية لإعادة رسم العلاقة مع الاحتلال على أسس جديدة أكثر صرامة.

خشية من شرعنة العدوان بدل رده

ورأى محللون سياسيون أنّ أخطر ما في هذه المسودة هو أنّها قد تُفسَّر من قبل المجتمع الدولي وكأنها “موافقة ضمنية” من الدول العربية والإسلامية على استمرار التعامل الطبيعي مع إسرائيل رغم عدوانها على دولة عضو في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

فبدلًا من المطالبة بمحاسبة المعتدي أو تعليق كافة الاتفاقيات الدبلوماسية والتجارية والأمنية المبرمة مع تل أبيب، انشغلت المسودة بالحديث عن “الحفاظ على السلام” و”حماية فرص التعايش” و”عدم تهديد مسار التطبيع الحالي والمستقبلي”، وهي عبارات فسّرها البعض على أنها تحاول تطويق آثار العدوان الإسرائيلي لا مواجهته، وتجنب أي قرارات حقيقية قد تُغضب واشنطن أو تضر بعلاقات بعض العواصم العربية بتل أبيب.

وأشار ناشطون إلى أن هذه اللغة تشجع الاحتلال على المضي قدماً في سياساته التوسعية والإجرامية وهو مطمئن أن أقصى رد عربي سيكون بيانًا غاضبًا لا يلبث أن يُطوى في الأرشيف بعد أيام.

تحدي استعادة الثقة قبل انعقاد القمة

ومع بقاء يوم واحد فقط على موعد القمة المقررة غدًا الاثنين، تبدو مهمة استعادة الثقة الشعبية بالمنظومة العربية والإسلامية صعبة للغاية، إذ تتزايد التوقعات بأن يخرج اجتماع القادة بنفس النبرة التقليدية التي اعتادت الشعوب سماعها عقب كل كارثة إنسانية تتسبب بها إسرائيل.

ويرى مراقبون أنّ أمام الدول المشاركة خيارين واضحين: إما تبني قرارات جريئة بحجم الحدث تعيد الاعتبار لمفاهيم الردع والمحاسبة، أو الاستمرار في دائرة المواقف الرمادية التي لم تمنع يومًا احتلال أرض ولا سفك دماء. فإسرائيل – كما يذكّر ناشطون – لم تتراجع يومًا بفعل بيانات التنديد، بل كانت تقرأ التردد العربي كضوء أخضر للمضي في عدوانها.

وبينما يترقب الشارع العربي والإسلامي ما سيخرج عن القمة، يبقى السؤال الملحّ: هل تنجح الدوحة في تحويل هذه اللحظة المفصلية إلى نقطة تحول حقيقية في الموقف العربي، أم أنّ البيان النهائي سيعيد إنتاج نفس الخطاب الباهت الذي يفضّل الحفاظ على أوهام السلام على حساب كرامة وسيادة الدول؟

اقرأ أيضًا : الاحتلال يحتل جبل الشيخ ويكشف عن عملية عسكرية بعمق 38 كلم داخل سوريا