في تصريح أثار جدلاً واسعًا على الساحة الدولية، شنّ الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو هجومًا مباشرًا على الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، محمّلاً إياه مسؤولية عرقلة أي مسار دبلوماسي يفضي إلى إنهاء المأساة المستمرة في قطاع غزة.
وأكد بيترو أن الأزمة بلغت مرحلة لم تعد فيها الوسائل التقليدية للدبلوماسية مجدية، داعيًا إلى البحث عن آليات أممية بديلة قادرة على حماية الشعب الفلسطيني من الإبادة والحصار.
![]()
بيترو: ترامب يقوّض أي حوار سياسي
الرئيس الكولومبي أوضح أن شخصية مثل ترامب، الذي يهيمن بخطابه الشعبوي وسياساته العدائية على المشهد الأمريكي، لعبت دورًا رئيسيًا في إفشال كل المحاولات الرامية إلى إطلاق عملية سياسية متوازنة. فبحسب قوله: “لقد عرقل ترامب كل جهد للحوار والسلام، وما زال يفرض رؤيته القائمة على القوة والإملاءات الأحادية، وهو ما ينسف أي إمكانية لدبلوماسية فاعلة”.
هذا الاتهام لا ينفصل عن المشهد الأمريكي الداخلي، حيث يواصل ترامب استخدام الملف الفلسطيني كورقة انتخابية وسياسية لاستقطاب القاعدة اليمينية واللوبي الإسرائيلي، ما يجعله عقبة أساسية أمام أي مسعى دولي لتسوية النزاع. ويشير خبراء إلى أن هذه المواقف تعمّق عزلة واشنطن الدولية وتضعف صورتها كوسيط موثوق في النزاعات العالمية.
البحث عن بدائل: الاتحاد من أجل السلام
إزاء هذا الانسداد، طرح بيترو خيار اللجوء إلى آلية “الاتحاد من أجل السلام”، وهي صيغة اعتمدتها الأمم المتحدة سابقًا حين شُلّ مجلس الأمن بسبب الفيتو الأمريكي أو الروسي. هذه الآلية تقوم على إحالة القضايا إلى الجمعية العامة حيث لا وجود لحق النقض، ويمكنها أن تصدر قرارًا بتشكيل قوة دولية مسلحة لحماية المدنيين.
دعوة بيترو تحمل أبعادًا رمزية وعملية في آن واحد؛ فهي تسعى إلى كسر احتكار القوى الكبرى لمسارات الحل، كما تستند إلى تجارب تاريخية استخدمت فيها هذه الآلية لفرض تدخلات أممية في أزمات مشابهة. غير أن نجاحها يبقى مرهونًا بمدى استعداد الدول الكبرى الأخرى، وعلى رأسها الصين وروسيا، لتبنّي هذا المسار ومنحه غطاء سياسيًا وعسكريًا.
أمريكا اللاتينية وموقف تاريخي داعم لفلسطين
حديث الرئيس الكولومبي لم يكن معزولًا عن الإرث السياسي لبلاده والمنطقة. فقد ذكّر بيترو بأن معظم دول أميركا اللاتينية اعترفت بدولة فلسطين منذ سنوات طويلة، وارتبطت تقاليدها السياسية بدعم قضايا التحرر ومناهضة الاستعمار. واستشهد بتاريخ كولومبيا ذاته، حيث امتزجت دماء الأفارقة والأجداد الأصليين والقادمين من أوروبا في تشكيل مجتمع متنوع قاوم أشكال الظلم والاستعباد.
هذا البعد التاريخي يعكس كيف ترى دول الجنوب العالمي، وخاصة أميركا اللاتينية، أن مأساة غزة ليست سوى امتداد لصراع أوسع بين قوى التحرر والإمبريالية. وهو ما يفسر تزايد الأصوات المطالبة بالقطع مع التبعية للسياسات الأمريكية وإيجاد فضاءات تعاون جديدة بين دول الجنوب.
خطاب أمام الأمم المتحدة: دعوة لتوحيد الجيوش
لم يكتف بيترو بالتصريحات الجانبية، بل صعّد لهجته خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث دعا صراحة إلى “توحيد الجيوش من أجل تحرير فلسطين”. هذا الخطاب غير المسبوق من رئيس دولة حليف تقليدي للولايات المتحدة شكّل صدمة دبلوماسية، إذ استحضر رموز التحرر في أمريكا الجنوبية، وألقى باللائمة على الولايات المتحدة وحلف الناتو في إدامة المأساة الفلسطينية.
مثل هذا الخطاب يعبّر عن تصاعد تيار عالمي لم يعد يكتفي بإدانة لفظية، بل بات يطرح مقترحات عملية لمواجهة الاحتلال، ولو عبر أدوات عسكرية أممية. ومع ذلك، يثير هذا التوجه مخاوف من احتمال اتساع رقعة الصراع وتحوّله إلى مواجهة مفتوحة بين معسكرات دولية متنافسة.
واشنطن ترد: إلغاء تأشيرة بيترو
رد الفعل الأمريكي لم يتأخر، إذ أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها ستلغي تأشيرة دخول الرئيس الكولومبي، مبررة القرار بأن مواقفه “متهورة وتحريضية”. وأوضحت الوزارة أن بيترو تجاوز الخطوط الحمراء عندما دعا جنودًا أميركيين إلى عصيان أوامر قيادتهم خلال وقفة احتجاجية في نيويورك.
هذه الخطوة تمثل سابقة في العلاقات بين واشنطن وبوغوتا، خاصة أن كولومبيا تُعد أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، ومرتكزًا استراتيجيًا لسياساتها الأمنية في المنطقة. ويشير مراقبون إلى أن التوتر قد يفتح الباب أمام إعادة رسم تحالفات جديدة، وربما يدفع كولومبيا نحو تعزيز علاقاتها مع قوى منافسة لواشنطن مثل الصين وروسيا.
قراءة تحليلية: أزمة دبلوماسية تتسع
تُظهر هذه التطورات أن ملف غزة لم يعد مجرد قضية شرق أوسطية، بل تحوّل إلى عامل ضغط على النظام الدولي بأسره. تصريحات بيترو وقرار واشنطن ضده يجسدان تباينًا عميقًا في الرؤى: بين قوى جنوبية ترى في فلسطين رمزًا للتحرر وضرورة لكسر الهيمنة، وبين الولايات المتحدة التي تصر على دعم الاحتلال حتى لو كلّفها ذلك خسارة حلفاء تقليديين.
إن اتهام ترامب بعرقلة جهود السلام يكشف حجم الانقسام داخل السياسة الأميركية نفسها، حيث باتت القضية الفلسطينية رهينة للمزايدات الداخلية أكثر من كونها ملفًا للسياسة الخارجية. كما أن حديث بيترو عن فشل الدبلوماسية يعكس تحوّلًا في المزاج العالمي، إذ تتزايد القناعة بأن القوانين والمؤسسات الأممية عاجزة عن وقف المجازر في غزة، ما يفتح الباب لخيارات أكثر جرأة قد تغيّر قواعد اللعبة.
خاتمة
تصريحات الرئيس الكولومبي ليست مجرد موقف عابر، بل مؤشر على تزايد الشرخ في النظام الدولي، حيث تعلن دول الجنوب رفضها للهيمنة الأمريكية، وتطالب بآليات بديلة أكثر عدلاً وفاعلية.
ومع تصاعد الأزمة في غزة، يتضح أن القضية الفلسطينية باتت المحكّ الحقيقي لمصداقية النظام العالمي، وأن تجاهلها لم يعد ممكنًا. وبينما ترد واشنطن بسياسات عقابية على الأصوات المعارضة، فإنها تخاطر بخسارة مزيد من الحلفاء، في وقت تبدو فيه معركة الشرعية الدولية في ذروتها.
اقرأ أيضًا : السيسي: “لن نخوض حربًا لإدخال المساعدات بالقوة”.. خطاب يكشف العجز والارتهان