بقلم / أحمد محمد أحمد

في تطور لافت يعكس تعقيدات ملف المياه في وادي النيل، أطلقت وزارة الزراعة والري السودانية إنذارا أحمر هو الثاني خلال 72 ساعة، محذرة ست ولايات من فيضانات خطيرة غير معتادة في نهاية سبتمبر/أيلول. 

هذه الموجة المفاجئة تطرح تساؤلات عميقة حول مسؤولية إثيوبيا بعد افتتاح سد النهضة، وتكشف في الوقت ذاته عن هشاشة موقف النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، الذي عرّض مصر لخطر استراتيجي بسبب فشله في إدارة هذا الملف منذ بدايته.

فيضان غير معتاد وتوقيت مريب

التحذيرات السودانية شملت ولايات النيل الأزرق، سنار، الجزيرة، الخرطوم، نهر النيل، والنيل الأبيض. الوزارة دعت السكان إلى تجنّب الأماكن المنخفضة والوديان، وسط توقعات بفيضانات قوية حتى مساء الأربعاء.

المفارقة أن السودان اعتاد موسم السيول بين مايو وأغسطس، بينما تبلغ ذروة فيضان النيل عادة في منتصف سبتمبر. إلا أن هذا العام شهد فيضانات متأخرة تزامنت مع افتتاح إثيوبيا رسميا أكبر سد كهرومائي في أفريقيا في 9 سبتمبر/أيلول، ما جعل خبراء الري يربطون مباشرة بين الحدثين.

رئيس الجهاز الفني للموارد المائية بوزارة الري السودانية أوضح أن الزيادة ناجمة عن تمرير إثيوبيا كميات ضخمة من المياه بعد الملء الكامل للسد خلال حفل الافتتاح. حيث تم تمرير ما بين 150 و250 مليون متر مكعب يوميا، ليرتفع إيراد النيل الأزرق في بعض الأيام إلى 750 مليون متر مكعب، مقارنة بمتوسط تاريخي لا يتجاوز 500 مليون في الفترة ذاتها.

جدل داخلي في السودان حول مسؤولية إثيوبيا

تصريحات الحكومة السودانية بدت مطمئنة، إذ أكدت أن “الأوضاع تحت السيطرة” وأن المناسيب بدأت في الانخفاض بعد اكتمال التصريف. لكن خبراء بارزين شككوا في هذه الرواية.

المستشار القانوني السابق لوزارة الري أحمد المفتي اعتبر أن “المزاعم” حول حماية سد النهضة للسودان من الفيضانات انهارت عمليا، بعدما تجاوزت المياه القادمة منه فيضانات 1988 الشهيرة بأكثر من متر ونصف. وأكد أن ما جرى “تعسف إثيوبي” يستوجب التعويض، داعيا للتحقيق في الكارثة والمطالبة بإدارة مشتركة للسد، أو حتى استعادة الأرض التي أقيم عليها وفق اتفاقية 1902.

على النقيض، دافع وزير الري السوداني السابق ياسر عباس عن المشروع، قائلا إن فوائده للسودان قد تفوق أضراره إذا تم التنسيق بشكل كامل، تماما كما فعل السد العالي في مصر. هذا الانقسام السوداني يعكس مأزق الخرطوم بين الحاجة إلى الكهرباء والتنمية من جهة، وبين الخطر الداهم من فيضانات مفاجئة أو نقص المياه من جهة أخرى.

مصر.. ضحية الفشل السياسي

أما مصر، فهي الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. عبد الفتاح السيسي قدّم منذ 2015 تنازلات استراتيجية حين وقع على “اتفاق إعلان المبادئ” في الخرطوم، مانحا إثيوبيا شرعية بناء السد دون ضمانات حقيقية لحقوق القاهرة المائية. ومنذ ذلك الحين، فشلت كل جولات التفاوض في إلزام أديس أبابا بأي قيود على الملء أو التشغيل.

اليوم، تظهر التحذيرات السودانية دليلا جديدا على المخاطر التي حذرت منها المعارضة المصرية مرارا: أن السد لن يهدد السودان وحده، بل سيمثل تهديدا وجوديا لمصر ذاتها. إذ يكفي تمرير كميات مياه خارج أي جدول زمني منظم لتعريض الدلتا، التي يسكنها أكثر من 60 مليون مصري، لأزمات في الري والزراعة وحتى في الأمن الغذائي.

الأخطر أن النظام المصري لم ينجح حتى في بناء جبهة إقليمية موحدة مع الخرطوم، حيث تنسق الأخيرة مع أديس أبابا أكثر مما تنسق مع القاهرة، ما يعكس عزلة مصرية واضحة.

أبعاد إنسانية واقتصادية

فيضانات الأيام الأخيرة في السودان لم تقتصر على التحذيرات الرسمية، بل ظهرت صور وفيديوهات لغمر مياه النيل لمناطق في الخرطوم والجزيرة وسنار. ناشطون دعوا الأهالي إلى دعم جهود رفع السدود الترابية بأيديهم، فيما اضطر مزارعون لسحب معدات الري بالطاقة الشمسية من أراضيهم المغمورة.

هذه المشاهد تكشف الوجه المظلم لإدارة المياه في المنطقة: أن حياة الملايين باتت رهينة قرارات سياسية في أديس أبابا، وصمت رسمي في القاهرة، وغياب خطط استباقية في الخرطوم.

مسؤولية مشتركة.. وغياب المحاسبة

المعضلة أن سد النهضة تحوّل من مشروع تنموي إلى ورقة ضغط جيوسياسية. فإثيوبيا تستخدمه لإثبات سيادتها، والسودان يراوح بين القبول والاعتراض، ومصر رهنت أمنها المائي بيد خصومها.

تحذيرات الفيضانات الأخيرة هي جرس إنذار بأن غياب الاتفاق الشامل لن يهدد الأمن المائي فحسب، بل سيجر أزمات إنسانية وبيئية متكررة.

لكن بينما يدفع المواطن السوداني ثمن الغرق، ويخشى الفلاح المصري من العطش، يبقى السيسي متمسكا بسياسة المساومات والتصريحات الفارغة التي لم تمنع إثيوبيا من فرض الأمر الواقع. هذا الفشل يضع مصر في مرمى الخطر، ويؤكد أن التفريط في ملف السد كان خطأ استراتيجيا قد يدفع المصريون ثمنه لعقود قادمة.

اقرأ أيضًا : قمع الملك وحكومته.. احتجاجات “جيل زد” تتواصل في المغرب وسط حملة توقيفات