كشفت وسائل إعلام إسرائيلية مشاهد جديدة لزيارة وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، إيتمار بن غفير، إلى ميناء أسدود مساء الخميس، حيث يحتجز الاحتلال مئات المتضامنين الذين شاركوا في “أسطول الصمود العالمي” الهادف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة منذ 18 عامًا.

وأظهرت المقاطع عشرات النشطاء من مختلف دول العالم وهم يجلسون أرضًا، محاطين بجنود مدججين بالسلاح، في مشهد يذكّر بصور الأسرى لا بالمدنيين. هؤلاء النشطاء، الذين جاؤوا حاملين الأمل والدواء والخبز إلى غزة، وجدوا أنفسهم في قبضة دولة تمارس القرصنة البحرية تحت حماية القانون الدولي الصامت.

في هذه الأجواء، ظهر بن غفير وهو يتجول بين المحتجزين محاطًا بعدسات الإعلام، مطلقًا تصريحات مليئة بالتحريض والكراهية، إذ وصف النشطاء بأنهم “إرهابيون جاؤوا لدعم الإرهاب”، وأضاف بوقاحة: “انظروا إلى هؤلاء، إنهم يدعمون القتلة، ولم يأتوا للمساعدة بل لدعم غزة والإرهابيين”، في إشارة واضحة إلى دعمهم للشعب الفلسطيني المحاصر.

تلك اللغة الفاشية التي استخدمها الوزير الإسرائيلي، لم تكن سوى انعكاس لعقيدة الاحتلال القائمة على تجريم التعاطف مع المظلومين، وتجسيد الخوف المزمن من أي حركة تضامن قد تُكسر جدار العزلة الأخلاقية الذي يحيط بإسرائيل منذ عقود.

قمع واحتجاز.. وشجاعة لا تلين

من جانبها، أعلنت شرطة الاحتلال صباح الجمعة أن قواتها البحرية اعتقلت نحو 470 مشاركًا من أسطول الصمود، بينهم أطباء وصحفيون وناشطون حقوقيون من أكثر من 30 دولة.

وأضافت في بيانها أن المعتقلين خضعوا لـ”فحوص دقيقة” قبل نقلهم إلى هيئة السكان والهجرة تمهيدًا لترحيلهم، بينما نُقل نحو 200 منهم إلى سجن كتسيعوت في جنوب فلسطين المحتلة. وذكرت مصلحة السجون أن المحتجزين خضعوا لتفتيش قاسٍ، قبل الزجّ بهم في الزنازين كمن ارتكبوا جرائم حرب، في حين أن “جريمتهم” الوحيدة كانت حمل المساعدات الإنسانية والمطالبة بإنهاء الحصار على غزة.

هيئة البث الإسرائيلية أكدت بدورها أن 41 سفينة من أصل 45 تم السيطرة عليها خلال 12 ساعة فقط، عبر عملية عسكرية شاركت فيها عشر سفن حربية إسرائيلية مدعومة بطائرات استطلاع ومروحيات. وقد جرى اعتراض الأسطول في المياه الدولية على بعد أكثر من 100 ميل بحري من سواحل غزة، في انتهاك صارخ لقانون الملاحة الدولي.

ورغم كل ذلك، لم يُبدِ المشاركون أي تراجع أو ندم، بل نشر بعضهم قبل قطع الاتصال رسائل صوتية تؤكد أنهم “لن يخضعوا للتهديدات”، وأن “هدفهم الإنساني لا يمكن وصفه بالإرهاب”. تلك الكلمات كانت كافية لتقلب المشهد العالمي؛ فبدلًا من أن يظهر الاحتلال في صورة المدافع عن نفسه، بدا كقوة خائفة ترتجف أمام قوافل مدنية تحمل خبزًا وضميرًا.

ردود فعل دولية وإدانة واسعة

الهجوم الإسرائيلي على الأسطول لم يمرّ بصمت. فقد أعربت منظمات دولية، بينها العفو الدولية، عن استنكارها الشديد للعملية، مؤكدة أن “الاعتداء على سفن إنسانية في المياه الدولية يُعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، وقد يرقى إلى جريمة حرب”.

من جهتها، قالت الأمم المتحدة في بيان رسمي إن “احتجاز المئات من النشطاء والمتطوعين أمر لا يمكن القبول به”، داعية إلى “توفير حماية كاملة للمدنيين الذين حاولوا إيصال المساعدات إلى غزة المحاصرة”.

في المقابل، شهدت عواصم عدة من بينها مدريد، بوغوتا، لندن، وأنقرة تظاهرات تضامن مع المشاركين في الأسطول، حيث رفع المحتجون صور المحتجزين وأعلام فلسطين، مرددين شعارات ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد صمت المجتمع الدولي.

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو كان أول من بادر باتخاذ موقف رسمي قوي، إذ أعلن طرد ما تبقى من الدبلوماسيين الإسرائيليين في بلاده احتجاجًا على ما وصفه بـ”القرصنة في عرض البحر”، ودعا إلى تحقيق دولي عاجل في الحادثة.

أما في الدول العربية، فقد أصدرت منظمات حقوقية وناشطون بيانات تضامن مع الأسطول، مؤكدين أن “شجاعة المشاركين كشفت هشاشة الرواية الإسرائيلية وفضحت الخوف الذي يسيطر على قادتها”، فيما دعا آخرون إلى تنظيم أساطيل جديدة لكسر الحصار حتى تحقيق هدفها الإنساني والسياسي.

جبن الاحتلال في مواجهة شجاعة المدنيين

ما فعله بن غفير في أسدود لم يكن سوى مشهد رمزي لجوهر الاحتلال نفسه: الجبن أمام الحق، والغطرسة أمام الضعفاء. الوزير الذي يختبئ خلف جدران الكراهية، جاء يتفاخر باعتقال نشطاء عُزّل، بينما يخشى جنوده دخول أزقة غزة أو مواجهة مقاوم يحمل بندقية.

إن وصف المتضامنين بـ”الإرهابيين” يكشف عمق الارتباك الإسرائيلي أمام الحراك المدني العالمي، فكلما ارتفع صوت العدالة من خارج فلسطين، ازداد خوف تل أبيب من عزلتها الأخلاقية، لأن معركتها الحقيقية لم تعد مع المقاومين فقط، بل مع الضمير الإنساني كله.

في المقابل، سجّل المشاركون في أسطول الصمود صفحة جديدة من الإرادة الإنسانية المقاومة، مؤكدين أن البحر، رغم كل ما فيه من مخاطر، سيبقى طريقًا نحو الحرية، وأن كسر الحصار عن غزة ليس مجرد مطلب إنساني، بل رسالة للعالم بأن الضمير لا يُحاصر.

وهكذا، بينما يتغنى بن غفير بـ”أمن إسرائيل”، كانت الكاميرات تُظهر الحقيقة القاسية: دولة نووية ترتعد من قوارب صغيرة تحمل الماء والدواء. مشهد لا يُعبر عن قوة، بل عن دولة تخشى الحقيقة، وجيشٍ يخاف من الشجاعة.

اقرأ أيضًا : عائلة الهمص بين جرائم الاحتلال وأعوانه: اختطاف جديد يكشف فصلاً مظلماً