بعد مرور عامين على اندلاع الحرب الدامية ضد قطاع غزة، كشفت وزارة الأمن الإسرائيلية عن واحدة من أكثر الإحصاءات حساسية منذ بدء العدوان، معلنة مقتل 1152 جندياً إسرائيلياً منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهو ما يعكس عمق الخسائر البشرية التي تكبدتها قوات الاحتلال في مواجهة المقاومة الفلسطينية، التي أثبتت قدرتها على استنزاف الجيش الإسرائيلي رغم فارق التسليح والإمكانات.

إقرار غير مسبوق بالخسائر
نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن الجيش الإسرائيلي تأكيده أن عدد القتلى في صفوفه منذ بدء الحرب بلغ 1152 جندياً، في حين تجاوز عدد الجرحى 13 ألفاً، بينهم مئات فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بعاهات دائمة.
ووفق المعطيات الرسمية، فإن 40% من القتلى هم من فئة الشبان دون سن 21 عاماً، إذ بلغ عددهم 487 جندياً، ما يعكس حجم التجنيد العشوائي الذي لجأت إليه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لتعويض خسائرها الميدانية.
أما الفئة العمرية التي تجاوزت الأربعين عاماً، فبلغ عدد القتلى فيها 141 جندياً، وهو رقم مرتفع يشي بمشاركة الاحتياط وقوات خاصة من كبار الضباط في معارك استنزاف طويلة.
البيانات ذاتها كشفت أن 1035 من القتلى ينتمون إلى الجيش النظامي، فيما سقط 100 عنصر من الشرطة، و9 من جهاز “الشاباك”، و8 من مصلحة السجون.
وقد وصفت وزارة الأمن الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 حتى أكتوبر 2025 بأنها “الأكثر دموية في تاريخ الجيش الحديث”، في إقرار نادر من تل أبيب يعكس عمق الأزمة التي تعانيها المؤسسة العسكرية والأمنية.
عائلات منكوبة وضغوط اجتماعية
أوضحت الوزارة أن هذه الخسائر أدت إلى ظهور أكثر من 6500 فرد جديد ضمن ما تسميه “عائلات الثكالى”، بينهم نحو 2000 والد ووالدة، و351 أرملة، و885 يتيماً، إضافة إلى آلاف الإخوة والأخوات ممن دخلوا دائرة الحزن الوطني.
وخلال العام الأخير وحده، أضيف 262 جندياً جديداً إلى قائمة القتلى العسكريين، ما أدى إلى تضاعف ميزانية دائرة رعاية أسر القتلى لتصل إلى 2.5 مليار شيكل (نحو 744 مليون دولار)، بعدما كانت لا تتجاوز 800 مليون قبل الحرب.
هذه الأرقام أثارت جدلاً داخل الكيان الإسرائيلي، إذ يرى محللون أن المجتمع بدأ يفقد ثقته في قدرة جيشه على تحقيق نصر حاسم، بينما تتزايد الضغوط الاقتصادية والنفسية على الأسر الإسرائيلية التي دفعت أبناءها إلى جبهات القتال، لتعود بجثامينهم أو بإعاقات دائمة.
المقاومة تستنزف الجيش
تعكس الإحصائية حجم الخسائر الفادحة التي ألحقتها فصائل المقاومة الفلسطينية بصفوف الجيش الإسرائيلي.
ففي معارك غزة والجنوب، نجحت المقاومة في نصب كمائن محكمة، وتفجير مئات الآليات، واستخدام تكتيكات ميدانية أربكت وحدات النخبة الإسرائيلية.
كما أظهرت المعارك في مخيمات الشاطئ وخان يونس وجباليا أن المقاومة تمتلك قدرة عالية على المناورة، رغم الحصار والتدمير الهائل.
وبحسب تقارير إسرائيلية، فإن ما لا يقل عن ربع القتلى سقطوا في معارك الأنفاق والمناطق الحضرية، حيث فشلت القوات الإسرائيلية في السيطرة الكاملة رغم العمليات الجوية المكثفة.
بل إن بعض التقارير العسكرية الإسرائيلية تحدّثت عن خسارة جيش الاحتلال السيطرة الميدانية مراراً على مناطق اقتحمها، ما اضطره إلى الانسحاب وإعادة الانتشار أكثر من مرة.
هذا الواقع الميداني دفع بعض المعلقين العسكريين في إسرائيل إلى القول إن الجيش يواجه “حرب استنزاف طويلة الأمد” لا يمكن الانتصار فيها بالوسائل التقليدية، فيما دعا آخرون إلى إعادة النظر في العقيدة القتالية الإسرائيلية التي تعتمد على التفوق الجوي والناري دون تحقيق حسم بري فعلي.
ارتباك في القيادة العسكرية
في ظل هذه الخسائر، خرج رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير بتصريحات من داخل قطاع غزة، دعا فيها جنوده إلى “البقاء في حالة يقظة تامة”، مؤكداً أن “المعركة لم تنتهِ بعد”، وأن الحرب قد تُستأنف في أي لحظة.
تصريحات زامير، التي تزامنت مع تجميد مؤقت للعمليات الهجومية واستعدادات لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، تعكس حالة القلق والشك داخل القيادة العسكرية التي تخشى انهيار الروح المعنوية للجنود.
ويرى مراقبون أن هذه اللغة تعكس فقدان الثقة بقدرة الجيش على فرض إرادته، خاصة بعد إخفاقه في تحقيق أهدافه المعلنة: القضاء على حماس، وتحرير الأسرى، وإعادة السيطرة الكاملة على القطاع.
بل إن استمرار تزايد أعداد القتلى، وتعدد الجبهات من لبنان إلى الضفة الغربية، يشير إلى تآكل الهيبة العسكرية الإسرائيلية أمام المقاومة المتعددة المحاور.
تداعيات سياسية ومجتمعية
داخلياً، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو انتقادات حادة من عائلات القتلى التي تتهم حكومته بـ”التضحية بأبنائهم لأجل مكاسب سياسية”، فيما تتصاعد الدعوات لإجراء تحقيق برلماني في إدارة الحرب.
أما المعارضة، فتصف الإحصاءات الأخيرة بأنها “صفعة قاسية” تكشف فشل القيادة في تقدير قدرات المقاومة، وتحذر من أن استمرار الحرب سيقود إلى مزيد من الانقسامات الداخلية والعزلة الدولية.
في المقابل، يرى محللون فلسطينيون أن اعتراف الاحتلال بهذا العدد الكبير من القتلى يؤكد أن المقاومة الفلسطينية نجحت في قلب المعادلة، إذ لم تعد المعركة مجرد صراع عسكري بل حرب استنزاف سياسية ونفسية تضرب العمق الإسرائيلي وتُفقده تماسكه الداخلي.
خلاصة
تكشف أرقام وزارة الأمن الإسرائيلية أن الكيان يعيش أكبر أزمة عسكرية منذ تأسيسه، حيث تحولت الحرب على غزة إلى كابوسٍ استراتيجي أطاح بصورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
ومع استمرار المقاومة في تطوير قدراتها وتوسيع نطاق الردع، يبدو أن الاحتلال بات عاجزاً عن إعلان نصرٍ يُرضي جمهوره أو يبرر خسائره، ليجد نفسه في معركة مفتوحة لا يعرف كيف يخرج منها.
اقرأ أيضًا : إيطالي يعتنق الإسلام داخل سجون الاحتلال: شهادة جديدة على وحشية إسرائيل ونور يسطع من الظلام