في خطابٍ مؤلم ومشحون بالعاطفة داخل البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، وقفت النائبة الإيطالية بنيديتا سكوديري، إحدى المشاركات في أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة، لتكشف عن فصولٍ مروّعة من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق مئات النشطاء الأوروبيين والعرب أثناء اختطافهم في المياه الدولية.
قالت سكوديري، وهي عضو في حزب الخضر الأوروبي، إن “إسرائيل اختطفت أكثر من 400 شخص من أسطول الصمود، بينهم خمسة نواب أوروبيين، في انتهاكٍ صارخٍ للقانون الدولي وقانون البحار”، مضيفةً أن السفن كانت تبحر في مياهٍ دولية في مهمة إنسانية تهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، إلا أن “الاحتلال تعامل معنا كما لو كنّا مجرمين”.
وروت النائبة الإيطالية أنهم أُجبروا على التوجّه إلى ميناء أسدود، حيث احتُجزوا بطريقة غير قانونية، وتعرضوا للتفتيش والإذلال الجماعي، وقالت بصوتٍ مرتجف أمام الحضور: “حُرمنا من الماء والطعام والنوم والدواء، وتعرّض بعضنا للضرب والاعتداء الجسدي، فقط لأننا لم نقف مكتوفي الأيدي أمام الإبادة الجماعية في غزة.”
![]()
جرائم ممنهجة برعاية الصمت الأوروبي
توقف البرلمان الأوروبي للحظاتٍ أمام صرخة سكوديري التي بدت كأنها شهادة تحت القسم عن جرائم الاحتلال المتكرّرة بحق المدنيين والنشطاء الدوليين. النائبة الإيطالية حمّلت مسؤولية أخلاقية وسياسية لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، قائلة: “ما عايشناه نحن جزء بسيط مما يعيشه الفلسطينيون يوميًا. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، فعليه أن يدعم مهمة الأسطول لا أن يصمت أمام الاعتداء علينا.”
إلا أن المفارقة المؤلمة تمثلت في أن مقترح كتلتها البرلمانية (الخضر الأوروبيين) لإدراج قضية الهجوم على الأسطول ضمن جدول أعمال الجلسة لم يُقبل. وهو ما أثار استياء عدد من النواب الذين وصفوا الرفض بأنه “خضوعٌ مهين للابتزاز الإسرائيلي”.
هذا الصمت الأوروبي، كما قالت سكوديري، “ليس حيادًا بل تواطؤًا”، خاصة بعد أن تجاهل البرلمان تقارير موثقة من منظمات دولية أكدت أن إسرائيل احتجزت النشطاء في ظروفٍ لا إنسانية، وحرمتهم من التواصل مع محاميهم أو ممثلي بلدانهم.
من البحر إلى الزنازين: تكرار النموذج الغزّي
رواية سكوديري لم تكن حالة فردية، بل جزءًا من مشهدٍ واسعٍ من القمع المنظّم. فبعد ساعاتٍ من احتجاز السفن، أعلنت منظمات “أسطول الصمود المغاربي” أن قوات الاحتلال اعتقلت عشرات النشطاء التونسيين والمغاربة والجزائريين، وتعرّض بعضهم للضرب والصعق الكهربائي أثناء التحقيقات. وأكدت أن نحو 15 تونسيًا ما زالوا رهن الاعتقال ويواصلون إضرابًا مفتوحًا عن الطعام احتجاجًا على المعاملة القاسية داخل السجون الإسرائيلية.
تقول بيانات الأسطول إن الاحتلال استخدم الأساليب نفسها التي يمارسها ضد الفلسطينيين: الحرمان من النوم، العزل، التهديد بالعنف، ومصادرة الهواتف والمعدات. وأشارت إلى أن الاعتداءات لم تقتصر على الرجال، بل طالت نساءً وصحفياتٍ أوروبيات حاولن توثيق ما جرى داخل السفن.
وفي هذا السياق، وصفت منظمات حقوقية العملية بأنها “قرصنة دولة مكتملة الأركان”، مشيرة إلى أن احتجاز الأسطول في المياه الدولية يمثل انتهاكًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تحظر اعتراض السفن الإنسانية غير المسلحة خارج حدود السيادة الوطنية لأي دولة.
إسرائيل تكرر نموذج الإبادة خارج غزة
ما حدث مع “أسطول الصمود” ليس سوى امتداد لسياسات الاحتلال في غزة نفسها — قمع، حرمان، إذلال، وتجريم التضامن الإنساني. فبينما تواصل إسرائيل حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، التي خلّفت أكثر من 67 ألف شهيد و169 ألف جريح منذ أكتوبر 2023، فإنها تحاول خنق أي صوتٍ يحاول فضحها أو كسر الحصار المفروض على القطاع.
اللافت أن العملية العسكرية ضد الأسطول جاءت في توقيتٍ حساس، تزامن مع الذكرى الثانية لهجوم “طوفان الأقصى”، ما اعتبره مراقبون رسالة إسرائيلية مزدوجة: تأكيد استمرار الحصار ومنع وصول أي إمدادات إنسانية، وفي الوقت نفسه الرد على تصاعد التضامن الشعبي الأوروبي مع غزة.
ورأى محللون أن تعامل الاحتلال مع النشطاء الأجانب بعنفٍ مفرط يكشف عن شعورٍ متزايد بالحصانة القانونية، مستندًا إلى الدعم الأمريكي وصمت العواصم الأوروبية، التي لم تتجاوز مواقفها بيانات القلق أو الدعوة إلى “التهدئة المتبادلة”.
نداء من قلب أوروبا
أنهت سكوديري كلمتها بنداء مؤثر قالت فيه: “ما فعلته إسرائيل بنا هو ما تفعله يوميًا بملايين الفلسطينيين. لكننا على الأقل سنعود إلى بيوتنا، أما أطفال غزة فلا بيت لهم يعودون إليه.” وطالبت بأن يتوقف الاتحاد الأوروبي عن ازدواجية المعايير، وأن يعلّق اتفاقيات التعاون العسكري والاقتصادي مع تل أبيب حتى تلتزم بالقانون الدولي.
لكن رغم قوة كلماتها، خرجت الجلسة الأوروبية بلا قرار، لتبقى الأسئلة معلقة: كيف يمكن لقارةٍ تتغنّى بحقوق الإنسان أن تصمت أمام اختطاف ممثليها المنتخبين؟ ولماذا يصبح الدفاع عن القانون الدولي جريمة حين تكون إسرائيل هي المتهمة؟
وفي انتظار الإجابة، تبقى شهادة بنيديتا سكوديري وثيقة إدانة حيّة ضد دولةٍ تمارس الإرهاب تحت حماية الغرب، وتذكيرًا بأن صوت الضمير — وإن خُنق في القاعة — لا يزال يعلو من عرض البحر ومن أنقاض غزة معًا.
اقرأ أيضًا : سرقة مقنّنة: الاحتلال يوزّع 7.5 ملايين دولار من أموال الفلسطينيين على عائلاته