قالت مجلة إيكونوميست البريطانية إن “الاختراق الدبلوماسي” الذي تحقق مؤخرًا في غزة قد يشكل بداية جديدة للشرق الأوسط، بعد عامين من الفظائع وجولات لا تنتهي من الحرب، لكن العقبات أمام نجاح الاتفاق هائلة، بدءًا من انعدام الثقة المتبادل، مرورًا بإصرار الاحتلال الإسرائيلي على نزع سلاح المقاومة، وصولًا إلى تعقيدات إعادة الإعمار.
وترى المجلة أن الرؤية التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمثل نهجًا جديدًا يقوم على الصفقات لا المبادئ، وعلى “التنمّر الدبلوماسي” بدل الحوار المتكافئ، ما يجعل فرص السلام الحقيقي ضئيلة رغم الزخم الإعلامي المحيط بالاتفاق.

أولًا: اتفاق هشّ يقوم على الإكراه السياسي
توضح إيكونوميست أن الاتفاق المبدئي بين “إسرائيل” و”حماس” لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى يمثل، من حيث الشكل، أكبر اختراق دبلوماسي منذ اتفاقيات أوسلو عامي 1993 و1995، لكنه يختلف عنها جوهريًا في الجوهر. فبدل أن يقوم على مفاوضات حول الحل النهائي أو إقامة دولة فلسطينية، يركّز على ترتيبات ميدانية تضمن بقاء السيطرة الإسرائيلية في صورة جديدة، مع تحويل غزة إلى ساحة اختبار لنهج “السلام مقابل الإعمار”.
وبحسب التقرير، يتضمن الاتفاق إطلاق سراح 20 أسيرًا إسرائيليًا أحياء مقابل عدد مماثل من الأسرى الفلسطينيين، وانسحابًا جزئيًا للجيش الإسرائيلي إلى ما سماه ترامب “الخط المتفق عليه”، إضافة إلى تدفق المساعدات وبدء إعادة الإعمار بإشراف دولي. المرحلة التالية، وفق خطة ترامب المكونة من 20 بندًا، تنص على تشكيل حكومة تكنوقراطية لإدارة غزة دون حماس، على أن تُنزع أسلحة الفصائل وتُفرض ترتيبات أمنية بواسطة قوة دولية بإشراف مباشر من مجلس يرأسه ترامب نفسه، حتى “تُصلَح السلطة الفلسطينية” وتُمنح السيطرة لاحقًا.
إلا أن المجلة تؤكد أن هذا النموذج، الذي يُقدَّم كخطة “سلام عملي”، هو في جوهره مشروع لإقصاء حماس بالقوة وإعادة هندسة الحكم الفلسطيني بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، مع الإبقاء على قبضة الاحتلال الاقتصادية والعسكرية.
ثانيًا: انعدام الثقة.. الجدار النفسي بين الضفتين
تقول المجلة إن التحدي الأكبر أمام أي سلام هو فقدان الثقة التام بين الطرفين. فبعد ثلاثين عامًا من أوسلو، وأعوام من الدماء في غزة، بات الإسرائيليون ينظرون إلى الأراضي الفلسطينية ككيان فاشل لا يمكن التعامل معه، بينما يرى الفلسطينيون “إسرائيل” كدولة مارقة ترتكب جرائم حرب وتتنكر لكل المواثيق.
تشير استطلاعات الرأي التي استشهدت بها إيكونوميست إلى أن 61 بالمئة من الإسرائيليين كانوا يؤيدون حل الدولتين عام 2012، أما الآن فلم يعد يدعمه سوى ربعهم، فيما تسود اللامبالاة إزاء معاناة الفلسطينيين. في المقابل، أظهر استطلاع فلسطيني في مايو أن 50 بالمئة من الفلسطينيين أيّدوا هجمات السابع من أكتوبر، وأن 87 بالمئة لا يعتقدون أن حماس ارتكبت فظائع، بينما أيّد 41 بالمئة استمرار المقاومة المسلحة.
هذا التدهور الحاد في الإدراك المتبادل يجعل من الصعب – بحسب المجلة – ترجمة الاتفاق إلى واقع مستدام، إذ لا يمكن لأي خطة إعادة إعمار أو ترتيبات أمنية أن تنجح ما لم يُعاد بناء الثقة بين الناس قبل القادة. وتضيف أن انعدام الثقة يتيح لكل طرف تبرير خروقاته: فإسرائيل قد تواصل الاستيطان بذريعة الأمن، وحماس قد تُبقي على قدر من السلاح بدعوى الردع، ليصبح الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة ضمن دورة العنف الطويلة.
ثالثًا: نزع سلاح المقاومة.. العقدة الأخطر
ترى إيكونوميست أن إصرار إسرائيل وواشنطن على نزع سلاح حماس يشكل أكبر عقبة أمام أي تقدم. فبينما يُصوَّر ذلك كشرط “أمني”، فإن تنفيذه يعني فعليًا تجريد الشعب الفلسطيني من أي قدرة على الدفاع عن نفسه، وتحويل غزة إلى منطقة منزوعة السيادة بالكامل. وتشير المجلة إلى أن المفاوضين قد يوافقون مبدئيًا على ترتيبات شكلية، لكنهم في الواقع يخططون لتقويضها لاحقًا، ما سيجعل الصراع مرشحًا للانفجار مجددًا.
كما أن عملية إعادة الإعمار، مع وجود 78 بالمئة من مباني غزة مدمرة، تبدو شبه مستحيلة دون مشاركة فعلية من قوى المقاومة في الإدارة المحلية. فحماس – رغم ضعفها العسكري بعد عامين من الحرب – لا تزال قوة اجتماعية وسياسية لها جذور عميقة في المجتمع، وأي محاولة لإقصائها بالقوة قد تؤدي إلى ظهور فصائل أكثر تشددًا.
رابعًا: تلاعب واشنطن وتواطؤ الاحتلال
تلفت المجلة إلى أن خطة ترامب تمثل امتدادًا لسياسة أمريكية منحازة تاريخيًا لإسرائيل، لكنها تتخذ الآن شكلاً أكثر وضوحًا في التدخل المباشر. فالرئيس الأمريكي، الذي تباهى بأنه أجبر إسرائيل على قبول الصفقة، استخدم أسلوب “الابتزاز السياسي” ذاته الذي استخدمه مع السعودية والإمارات سابقًا في ملفات التطبيع، مستفيدًا من حاجة نتنياهو إلى مخرج سياسي، ومن ضغوط داخلية فلسطينية لإنهاء المأساة الإنسانية.
وترى إيكونوميست أن واشنطن وتل أبيب تمارسان لعبة مزدوجة: ففي العلن تروجان لاتفاق سلام، وفي الخفاء تسعيان لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني وفق مقاسهما، بتهميش القوى المقاومة واحتواء السلطة الفلسطينية ضمن حدود الأمن الإسرائيلي. وتضيف أن نجاح ترامب في فرض وقف النار لا يعني التزامه بالسلام طويل الأمد، لأن الصفات التي مكّنته من تحقيق “الاختراق” – التهديد، والضغط، والتنمّر – تختلف تمامًا عن الصفات المطلوبة لبناء سلام حقيقي يستمر لسنوات.
خامسًا: أفق غامض وفرصة ضئيلة
مع ذلك، ترى إيكونوميست بصيص أمل في أن نهاية الحرب قد تفتح الباب لتغيرات سياسية في الجانبين: رحيل نتنياهو في إسرائيل، وتراجع نفوذ حماس في غزة، وعودة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية بعد سنوات من التجاهل. كما أن استعداد بعض الدول الخليجية لتمويل إعادة الإعمار ودعم العملية السياسية خطوة مهمة، شريطة ألا تتحول هذه المساهمات إلى أداة لفرض الوصاية.
لكن المجلة تختم بتحذير واضح: أن النجاح لن يُقاس بالصور في البيت الأبيض، بل بخلاطات الأسمنت التي تدور في غزة، وبقدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم بحرية، وبمدى استعداد إسرائيل لوقف التوسع الاستيطاني. فبدون ذلك، سيظل ما يُسمى بـ”اتفاق غزة” مجرد فصل جديد من فصول التلاعب الأمريكي الإسرائيلي في واحدة من أكثر قضايا العالم عدالةً وألمًا.
اقرأ أيضًا : بلجيكا تحبط مخططًا إرهابيًا لاغتيال رئيس الوزراء وعدد من السياسيين.. تهديد أمني يعيد كوابيس 2016