عاد التوتر بين القاهرة وأديس أبابا إلى الواجهة مجددًا بعد اتهام إثيوبيا لمصر بالسعي لفرض “هيمنة تاريخية” على نهر النيل، وذلك ردًا على تصريحات عبد الفتاح السيسي، الذي حذر من “الضرر الجسيم” الذي تلحقه إثيوبيا بدولتي المصبّ من خلال مشروع سدّ النهضة.
وبينما تؤكد مصر أن أمنها المائي “خط أحمر”، تصرّ أديس أبابا على أن مشروعها “حق سيادي للتنمية”، ما يعيد الأزمة إلى مربعها الأول بعد أكثر من عقد من المفاوضات المتعثّرة.

السيسي يحذر.. ولكن بعد فوات الأوان
في كلمته المسجلة خلال “أسبوع القاهرة للمياه”، حاول السيسي تصوير بلاده كطرف متحضر يسعى للحلول الدبلوماسية منذ 14 عامًا، مؤكدًا أن القاهرة “اتسمت بالحكمة والرصانة”، وقدمت بدائل فنية تحفظ مصالح الجميع. لكن في المقابل، اعتبر مراقبون أن خطاب السيسي يعكس مأزقًا سياسيًا داخليًا، بعدما فقدت مصر السيطرة الفعلية على مسار السد، الذي أصبح أمرًا واقعًا بعد اكتمال مراحل بنائه وملئه المتتالية.
ويرى خبراء مصريون أن النظام المصري أخطأ حين وقّع في مارس/آذار 2015 على “إعلان مبادئ الخرطوم” الذي اعترف ضمنيًا بحق إثيوبيا في بناء السد دون ضمانات قانونية ملزمة، معتبرين أن السيسي “أضاع الورقة القانونية التي كانت بيد مصر”. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت تصريحات القاهرة من التحذير إلى الاستجداء الدولي، في مشهد يعبّر عن تآكل أدوات القوة المصرية أمام تمدد النفوذ الإثيوبي في حوض النيل.
أديس أبابا تتهم القاهرة بالاستعلاء المائي
بيان وزارة الخارجية الإثيوبية الأخير جاء بلهجة حادة، إذ اعتبر أن التصريحات المصرية “تصعيدية ولا تخدم الاستقرار الإقليمي”، متهمًا القاهرة بالسعي إلى “الهيمنة التاريخية على مياه النيل واحتكارها لعقود”. وأضاف البيان أن “الأمن المائي لا يتحقق عبر التهديدات، بل عبر التعاون العادل”، مؤكّدًا أن نهر النيل يجب أن يُدار على أساس “الاستخدام المنصف والمعقول” بين جميع دول الحوض.
وأشارت إثيوبيا إلى أن سد النهضة ليس المشروع الوحيد في أعالي النيل، وأن على مصر أن تتعامل بندّية مع بقية دول الحوض بدلًا من “المنطق الإمبراطوري القديم”. كما لفتت إلى أن القاهرة تتجاهل احتياجات عشر دول إفريقية تعتمد على النهر ذاته، وتحاول فرض “وصايتها التاريخية” تحت مبرر الأمن المائي.
هذه التصريحات، رغم طابعها الدبلوماسي، تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في خطاب أديس أبابا، من الدفاع إلى الهجوم، في وقت باتت تملك فيه ورقة السدّ كاملة، وتستخدمها كورقة ضغط إقليمية.
فشل المفاوضات وتحوّل النيل إلى ورقة صراع إقليمي
منذ بدء تشييد سد النهضة عام 2011، فشلت عشرات الجولات التفاوضية بين مصر والسودان وإثيوبيا في التوصل إلى اتفاق نهائي. ورغم تدخل الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة والبنك الدولي، فإن جميع المبادرات توقفت عند نقطة الخلاف الجوهرية: إلزامية الاتفاق وآلية فض النزاعات.
وتتهم القاهرة أديس أبابا بالتعنت، فيما ترى الأخيرة أن مصر “تتذرع بالأمن المائي” للحفاظ على نفوذها القديم. ومع استمرار هذا الشلل الدبلوماسي، تتزايد المخاوف من أن يتحول النيل إلى محور صراع جيوسياسي بين دول المنبع والمصب، خاصة في ظل تنامي نفوذ قوى إقليمية جديدة مثل تركيا وإسرائيل في منطقة القرن الإفريقي.
ويرى محللون أن التوتر الحالي يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، منها احتمال تصاعد النزاع إلى مواجهات غير مباشرة عبر حلفاء أو أدوات اقتصادية وأمنية، خصوصًا في ظل الفيضانات الأخيرة التي ألحقت أضرارًا في السودان ومصر، وجرى ربطها في الإعلام المحلي بـ”التصرفات الإثيوبية المتهورة”.
نهر النيل بين التفاوض والهيمنة
يرى باحثون في قضايا المياه أن أزمة السدّ تجاوزت البعد الفني إلى بعد سياسي بحت، إذ تسعى كل دولة لترسيخ موقعها في ميزان القوى الإفريقي. فإثيوبيا التي تمثل منبع أكثر من 80% من مياه النيل، تعتبر أن زمن “الوصاية المصرية” قد انتهى، وأن السدّ هو “رمز السيادة والتنمية”. بينما تتمسك مصر بمبدأ “الحقوق التاريخية” الذي يعود إلى اتفاقيتي 1929 و1959 اللتين تمنحانها النصيب الأكبر من المياه، وهو ما ترفضه أديس أبابا تمامًا.
وفي ظل غياب رؤية متوازنة، تحوّل الملف إلى ساحة لتبادل الاتهامات والبيانات الإعلامية، دون أي تقدم فعلي نحو حل مستدام. وحتى محاولات الوساطة التي طرحتها واشنطن والاتحاد الإفريقي فقدت زخمها، خاصة بعد فشل جولة 2024 الأخيرة.
النيل ضاع بين ضعف القاهرة وصعود أديس أبابا
يرى مراقبون أن الأزمة كشفت حدود القوة الإقليمية المصرية في عهد السيسي، فبينما كانت القاهرة لعقود تمتلك زمام المبادرة في ملف النيل، وجدت نفسها اليوم في موقع المتلقي للقرارات الإثيوبية. ويؤكد خبراء أن فقدان مصر أدوات الضغط السياسية والإعلامية والدبلوماسية جعلها عاجزة عن فرض أي التزام قانوني على أديس أبابا، رغم التحذيرات المتكررة من “خطر وجودي”.
ويذهب بعض المحللين إلى أن ما حدث في ملف النيل يعكس فشلًا استراتيجيًا مصريًا أعمق، ناتجًا عن تهميش المؤسسات الوطنية المتخصصة في التفاوض، وإسناد الملف إلى قيادة سياسية تعاملت معه بسطحية، إلى أن أصبح السد واقعًا لا يمكن تغييره.
خاتمة: نهر النيل بين ضياع النفوذ ومستقبل الصراع
بين خطاب السيسي التحذيري والرد الإثيوبي الصارم، يبدو أن الأزمة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة الباردة، عنوانها فقدان مصر نفوذها التاريخي على النيل، وصعود إثيوبيا كقوة مائية إقليمية. ومع استمرار الجمود، يزداد خطر تحوّل النيل من نهر للحياة إلى ساحة صراع، لن يكون الرابح فيه أحد.
فالوقت لم يعد في صالح القاهرة، والسدّ أصبح حقيقة جغرافية وسياسية، بينما تتضاءل فرص الوصول إلى اتفاق يضمن “حق الحياة” الذي تتحدث عنه مصر، في مقابل “حق التنمية” الذي تتمسك به أديس أبابا. وهكذا، يظل السؤال الأكثر إيلامًا في الشارع المصري: هل ضيّع السيسي النيل فعلًا؟
اقرأ أيضًا : اغتيال الحقيقة في غزة: استشهاد الصحفي صالح الجعفراوي على يد عصابات الاحتلال