أعلنت منصات فلسطينية، اليوم الاثنين، أن أجهزة أمن “المقاومة” في غزة شنت حملة أمنية واسعة طالت شبكات وصفها البيان بـ«العملاء والخارجين عن القانون»، وأسفرت – بحسب تلك المصادر – عن إعدام عدد من المتهمين بالتعاون مع الاحتلال، واعتقال آخرين وتحويلهم للجهات القضائية المختصة. تأتي هذه التطورات في سياق إعلان قوة «رادع» التابعة لأمن المقاومة استمرارها في حملات تمشيط واسعة للسيطرة على مناطق كانت تخضع لوجود مسلحين وعصابات متهمة بارتكاب جرائم ضد المدنيين.
تداولت المنصات تفاصيل اشتباكات عنيفة شهدتها محاور عدة داخل القطاع، من بينها كمائن في شارع الشابورة شرق حي الشجاعية واشتباك في دير البلح، حيث أفادت المصادر بمقتل اثنين من المتعاونين واعتقال ثالث خلال عمليات ميدانية وصفتها الأجهزة بأنها محكمة ودقيقة. كما تكررت المعلومات عن ضبط مواقع تابعة لمليشيات مسلحة واعتقال نحو ستين عنصراً تم نقلهم إلى مواقع آمنة لإجراء التحقيقات اللازمة.

سياق الحملة
يأتي تصعيد الأجهزة الأمنية بعد تصريحات رسمية مفادها أن أجهزة داخلية غزة استعادت – أو في طريقها لاستعادة – السيطرة الكاملة على مناطق ونقاط كانت تشهد وجود ميليشيات أو عصابات مسلحة. ورفعت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة منسوب التحذير الرسمي عندما فتحت «باب التوبة والعفو العام» أمام من التحق بالعصابات بشرط عدم التورط في جرائم قتل، وحددت مهلة أسبوعية لتسوية الأوضاع وتسليم النفس. الإعلان عن مهلة التوبة يقترن، وفق ملاحظات محلية، بمحاولات لإغلاق ملفات الفوضى الاجتماعية والأمنية بسرعة وبأدنى تكلفة سياسية ممكنة.
قراءة تحليلية
أولاً، ترجع أسباب هذا التصعيد إلى فراغ أمني انتجته حرب طويلة ومرحلة انتقالية قصمت البنية المؤسسية في القطاع. الفضاء الذي تخلّفه انسحاب مؤسسات أو ارتباك في السيطرة الأمنية يصبح مناخًا خصبًا لظهور جماعات مسلحة وتسابق شبيهات عصابية على النفوذ والسطوة. هكذا، تتحول بعض الفصائل الصغيرة أو عناصر إجرامية إلى أدوات استغلال من قبل جهات معادية، أو إلى قوى قادرة على ابتزاز المدنيين وتهديد الاستقرار.
ثانياً، قرار الأجهزة بالملاحقة المكثفة وإعلان سياسة «لا تسامح مع العملاء» يخدم هدفين متوازيين: استعادة السيطرة الأمنية وبلورة شرعية ميدانية لدى جمهور واسع تعب من الفوضى وجرائم القتل والنهب. في مناطق مدمرة بفعل الحرب، يقبل جزء كبير من المجتمع المحلي بأي جهة توفر حدًّا من الأمن ولو عبر إجراءات صارمة.
ثالثاً، ثمة مخاطرة قانونية وأخلاقية في تنفيذ عقوبات إعدام خارج إطار محاكمات شفافة. حتى حين تكون الاتهامات مشروعة ومهولة، فإن المقاربة الأمنية التي تميل إلى التنفيذ الميداني تترك أثراً طويل المدى على صورة الجهاز الذي ينفذها وعلى قاعدة سيادة القانون. الدعوة إلى تحويل المتهمين إلى جهات قضائية مذكورة في بيانات الأجهزة تبدو محاولة لدرء هذه الانتقادات، لكنها تحتاج لآليات محاسبية واضحة وشفافية في الإجراءات.
ردود الفعل المحلية والإقليمية
محلياً، ستحظى العمليات الشعبية بمساندة شعبية أولية من شرائح واسعة غاضبة من العصابات والتعاون مع الخصم، لكن ثمة أيضاً قطاعات تقلق من إمكانية توظيف هذه الحملات سياسياً ضد خصوم داخليين أو لتصفية حسابات. إقليمياً، قد يرى فاعلون إقليميون أن حسم ملف الأمن الداخلي يساعد في تسويق أي مرحلة لاحقة لتهدئة أو إعادة إعمار. لكنهم سيولون اهتماماً لآليات حماية حقوق المحتجزين وضمان عدم وقوع انتهاكات قد تُستغل دبلوماسياً.
خلاصة وتوصيات
العملية الأمنية الأخيرة تعكس ردة فعل متوقعة على فراغ مؤسسي وبعد سقوط منظومة أمنية متماسكة. استعادة النظام والأمن مطلب شعبي، لكن الطريق الأكثر استدامة يمر عبر مؤسسات قضائية مستقلة وإجراءات شفافة تحقق العدالة وتمنع الانتقام العشوائي. على الأجهزة الأمنية أن توازن بين سرعة الحسم ومقتضيات القانون، وأن تتيح رقابة مجتمعية أو آليات توثيق شفافة تضمن أن من يُحاسبون هم فعلاً من تورطوا في جرائم خطيرة، لا مجرد خصوم أو معارضين. في نهاية المطاف، سيُقاس نجاح هذه الحملة بمدى انسجامها مع استعادة الأمن الحقيقي واحترام قواعد الحد الأدنى لحقوق الإنسان، لا فقط بمقدار الأسلحة التي تُحجز أو الأسماء التي تُزال من الشوارع.
اقرأ أيضا : غزة.. انهيار المليشيا المدعومة إسرائيليًا وتخلي تل أبيب عن وكلائها