في خطوة نادرة داخل الفضاء الأوروبي الموصوم بازدواجية المعايير، أعلنت المحكمة الوطنية الإسبانية فتح تحقيق رسمي بحق ثلاثة مسؤولين في شركة صناعة الصلب “سيدينور” بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، على خلفية تورطهم في تزويد شركة عسكرية إسرائيلية بمواد أولية تُستخدم في صناعة الأسلحة التي قصفت قطاع غزة.

التحقيق، الذي جاء بناءً على شكوى من جمعية مؤيدة للفلسطينيين، يشكّل سابقة قضائية مهمة في أوروبا، التي ظلت لعقود تتغنى بـ”قيم العدالة وحقوق الإنسان” بينما تواصل شركاتها تصدير الموت إلى الشعوب المقهورة.

تسليح الإبادة: كيف تورطت “سيدينور”؟

وفق بيان المحكمة الإسبانية –وهي أعلى سلطة قضائية جنائية في البلاد– فإن التحقيق يشمل رئيس مجلس إدارة الشركة خوسي أنتونيو شايناغا ومديرين تنفيذيين آخرين، بعد أن تبين أن “سيدينور” باعت الصلب لشركة إسرائيلية عسكرية دون إذن من الحكومة ودون تسجيل الصفقة رسميًا.

وبحسب القرار القضائي، كانت الشركة على علم بأن الصلب سيُستخدم في تصنيع الأسلحة الإسرائيلية التي دمرت البنية التحتية المدنية في غزة وخلّفت عشرات الآلاف من الضحايا، بينهم آلاف الأطفال.

ورغم أن الشركة لم تُدرج ضمن المتهمين كمؤسسة، فإن القاضي أشار إلى أن المبلغين عن المخالفات داخل الشركة لعبوا دورًا حاسمًا في كشف الفضيحة ومنع استمرار النشاط الإجرامي.

هذه القضية لا تتعلق فقط بانتهاك قوانين التجارة أو تصدير المعادن، بل تكشف عن شبكة أوروبية متكاملة تسهّل لإسرائيل الوصول إلى المواد الحربية رغم الحظر المعلن. وتطرح سؤالًا جوهريًا: كم من الشركات الأوروبية الأخرى متورطة بصمت في صناعة الإبادة في غزة؟

مدريد تكسر الصمت: موقف سياسي غير مألوف في أوروبا

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تميزت إسبانيا عن غيرها من دول الاتحاد الأوروبي بموقفها السياسي الواضح ضد الحرب. فقد أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز وقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، واصفًا ما يجري في غزة بأنه “إبادة جماعية ممنهجة”.

وفي خطوة تصعيدية، تم تحويل قرار الحظر إلى قانون رسمي الشهر الجاري، ليصبح ملزمًا لجميع الشركات الإسبانية التي قد تحاول الالتفاف على القيود.

لكن هذه الحادثة تُظهر أن بعض الشركات لم تلتزم، وأن الاعتبارات الربحية تفوقت على المبادئ الأخلاقية.

ورغم أن مدريد كانت في طليعة الدول الأوروبية الداعية إلى وقف النار ومحاسبة مرتكبي الجرائم في غزة، إلا أن هذه الواقعة تكشف عن نفاق مستتر داخل المؤسسات الاقتصادية الأوروبية التي ما زالت ترى في تجارة الحرب فرصة للربح.

العدالة الإسبانية في مواجهة صمت الغرب

يفتح التحقيق الإسباني بابًا واسعًا على مساءلة الشركات الأوروبية التي قد تكون ساهمت في جرائم الحرب ضد الفلسطينيين، سواء عبر تصدير الأسلحة أو تزويد الصناعات العسكرية الإسرائيلية بالمواد الخام.

وتشير منظمات حقوقية إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تُمهّد لإجراءات مشابهة في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، حيث توجد عشرات الشركات المتهمة بتوريد أنظمة أو مكونات تقنية للجيش الإسرائيلي.

في المقابل، يواصل الغرب الرسمي التستر على دوره في تغذية آلة الحرب الإسرائيلية، بينما يكتفي بترديد شعارات جوفاء حول “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

وتذهب منظمات حقوق الإنسان إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن السكوت الغربي هو شكل من أشكال التواطؤ الجماعي في جرائم الإبادة، إذ تُستخدم منتجات أوروبية الصنع في قصف مدارس ومستشفيات ومخيمات اللاجئين.

بين القانون والأخلاق: أوروبا على المحك

تأتي القضية في وقت حرج بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي يواجه اتهامات متزايدة بازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية. ففي حين يفرض الاتحاد عقوبات على روسيا وإيران بدعوى “انتهاك حقوق الإنسان”، يغض الطرف عن جرائم إسرائيل في غزة، بل ويواصل بعض أعضائه دعمها بالسلاح أو التمويل.

غير أن المبادرة الإسبانية قد تمثل بداية تغيير في المزاج الأوروبي، خصوصًا مع تصاعد الغضب الشعبي في الشارع الإسباني ضد استمرار الجرائم في غزة.

ويرى محللون أن إسبانيا قد تكون بصدد إرساء مبدأ قضائي جديد يربط بين المسؤولية التجارية والمسؤولية الأخلاقية في النزاعات الدولية، ما يفتح الباب أمام ملاحقات قانونية بحق الشركات المتورطة في دعم الحروب.

خاتمة: صرخة من مدريد في وجه الإجرام الغربي

تحقيق المحكمة الإسبانية لا يُعد مجرد خطوة قضائية، بل صرخة أخلاقية في وجه النظام الغربي الذي يروّج لنفسه كحارس للقيم الإنسانية، بينما يشارك فعليًا في صناعة المأساة الفلسطينية.

إن تورط شركة أوروبية في تزويد آلة القتل الإسرائيلية بالمواد الخام يُثبت أن الإبادة في غزة لم تكن فقط جريمة إسرائيلية، بل جريمة صامتة شاركت فيها مصانع أوروبا ومصارفها وصمتُ ساسَتها.

ومهما حاولت الحكومات الغربية التهرب من مسؤولياتها، فإن مسار العدالة بدأ من مدريد، وقد يمتد ليُحاكم كل من جعل من التجارة بالدم الفلسطيني مشروعًا مربحًا باسم “الديمقراطية الغربية”.

اقرأ أيضًا : التعتيم الإعلامي سلاح الاحتلال: لماذا تمنع إسرائيل دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة؟