كشفت نتائج استطلاع للرأي أجري في إسرائيل، أن 52% من الإسرائيليين يعارضون ترشح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للانتخابات المقبلة المقررة عام 2026، في إشارة واضحة إلى تآكل شعبيته وانحسار شرعيته السياسية بعد عام دامٍ من الحرب على غزة. ووفقاً لنتائج الاستطلاع الذي بثّته القناة 12 الإسرائيلية، رأى 41% من المشاركين أنه يجب على نتنياهو خوض الانتخابات، بينما امتنع 7% عن تحديد موقفهم، في حين أن أكثر من نصف مؤيدي معسكر اليمين ذاته باتوا عاجزين عن تحديد بديل لنتنياهو داخل معسكرهم، مما يعكس حالة ارتباك وقلق داخل اليمين الإسرائيلي.

هذا التحوّل في المزاج العام يأتي بعد أشهر من الانتقادات الحادة لنتنياهو بسبب فشل حكومته في تحقيق أهدافها المعلنة من الحرب على غزة، وفقدانها السيطرة السياسية والدبلوماسية، إضافة إلى ضغوط المحكمة الجنائية الدولية التي تلاحقه بتهم جرائم حرب وإبادة جماعية. في الوقت نفسه، تُظهر استطلاعات الرأي المتتابعة أن الإسرائيليين بدأوا يدركون أن استمرار نتنياهو في السلطة يمثل عائقاً أمام استقرار الدولة وصورتها الدولية.

انقسام داخل اليمين وتآكل في الكنيست

تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن الانقسام لم يعد مقتصراً على معسكر المعارضة، بل طال القاعدة الصلبة لنتنياهو داخل اليمين، خاصة بعد أن فشل في تحقيق انتصار عسكري أو سياسي في غزة. فاستطلاع صحيفة معاريف، الصادر الجمعة، أشار إلى تراجع ائتلاف نتنياهو بمقعدين إضافيين في الكنيست ليصل إلى 50 مقعداً فقط، بينما يحتاج أي ائتلاف حاكم في إسرائيل إلى 61 مقعداً لتشكيل الحكومة. وفي المقابل، حصل معسكر المعارضة على 59 مقعداً، دون أن يتمكن من تشكيل أغلبية واضحة بسبب رفضه التحالف مع الأحزاب العربية التي حصدت 11 مقعداً.

هذه الأرقام، رغم ضيق الفارق، تكشف عن أزمة عميقة داخل النظام السياسي الإسرائيلي، حيث لم يعد أي طرف قادراً على تحقيق أغلبية مستقرة. ويُرجع محللون هذا الضعف إلى فشل حكومة نتنياهو في تحقيق إنجازات ملموسة، وإلى الانقسام داخل اليمين نفسه بين تيارات “الصقور” بقيادة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، والتيارات الأكثر براغماتية التي ترى أن استمرار نتنياهو يهدد مستقبل اليمين بأكمله.

ويُضاف إلى ذلك تصاعد الخلافات داخل حزب “الليكود” نفسه، حيث بدأ بعض قياداته التقليديين -مثل يولي إدلشتاين ونير بركات- في إرسال إشارات استعداد لمرحلة ما بعد نتنياهو، في حين يلتزم آخرون الصمت خوفاً من غضب القاعدة المؤيدة له.

نتنياهو بين الجنائية الدولية والمأزق الداخلي

تزامن نشر نتائج الاستطلاع مع تزايد الضغوط القانونية على نتنياهو، إذ تطالب منظمات حقوقية ودولية بمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية على خلفية المجازر التي ارتكبها جيشه في غزة. وقد وصف مراقبون هذا الوضع بأنه “حصار سياسي وقضائي مزدوج”، حيث يواجه نتنياهو العزلة في الخارج والسقوط التدريجي في الداخل.

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن نتنياهو يخطط لتقديم موعد الانتخابات العامة إلى يونيو/حزيران 2026، بدلاً من نوفمبر من العام نفسه، في محاولة لقطع الطريق على خصومه داخل اليمين قبل أن تتبلور قيادة بديلة قادرة على منافسته. غير أن محللين سياسيين يرون أن أي محاولة لتبكير الانتخابات لن تغيّر الواقع كثيراً، لأن الشارع الإسرائيلي بات يحمل نتنياهو مسؤولية ما وصفه كثيرون بـ”العار الوطني” بعد فشل الحرب في استعادة الأسرى أو القضاء على المقاومة الفلسطينية، فضلاً عن الكلفة الاقتصادية والأمنية الباهظة التي خلفتها.

المقاومة تقلب المعادلة: من “الطوفان” إلى تآكل الهيبة

يذهب كثير من المراقبين إلى أن الحرب على غزة لم تُضعف المقاومة كما أراد نتنياهو، بل ساهمت في سقوطه السياسي. فبعد عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، لم تستطع الحكومة الإسرائيلية استعادة ثقة المجتمع أو فرض سرديتها العسكرية. بل على العكس، تزايدت مظاهرات عائلات الأسرى، وخرجت احتجاجات تطالب بإقالة الحكومة ومحاسبة نتنياهو على ما اعتُبر “تضحية بالأمن القومي من أجل البقاء السياسي”.

وتحوّلت غزة من ساحة حرب إلى مرآة عاكسة لانهيار الثقة بقيادة نتنياهو، إذ يرى نصف الإسرائيليين اليوم أن الحرب فُقدت بوصلتها، وأن الجيش بات غارقاً في حرب استنزاف بلا نهاية واضحة. في المقابل، رسخت المقاومة الفلسطينية –بحسب محللين إسرائيليين أنفسهم– حضورها الرمزي والعسكري، ما جعلها شريكاً مفروضاً في أي تسوية مستقبلية، وهو ما يعد فشلاً استراتيجياً مدوياً لحكومة نتنياهو.

خاتمة: زعيم يسير نحو النهاية

يرى محللون أن نتائج الاستطلاعات الأخيرة ليست مجرد مؤشرات انتخابية، بل إعلان مبكر عن نهاية مرحلة نتنياهو. فالرجل الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية لعقود، بات اليوم عبئاً على اليمين والدولة معاً. عزلة دولية، وملاحقة قضائية، وانقسام داخلي، ونتائج ميدانية كارثية في غزة؛ كلها عوامل تجعل بقاءه في الحكم أقرب إلى الوهم.

لقد سقط نتنياهو سياسياً وإن لم يسقط رسمياً بعد. المقاومة في غزة نجحت –بمعناها الواسع– في تفكيك الهالة التي صنعها حول نفسه كـ”حامي إسرائيل”، وكشفت هشاشة النظام الذي يقوده. وما بين استطلاعات الرأي الغاضبة، وصرخات الشوارع، وضغوط العائلات، يبدو أن إسرائيل تتجه نحو مرحلة ما بعد نتنياهو، حيث لن يكون السؤال: من سيخلفه؟، بل: كيف ستتعافى إسرائيل من إرثه؟

اقرأ أيضًا : حبس باحث قبطي بعد انتقاده السيسي.. حين تتحول التهم بالإرهاب إلى أداة لقمع الكلمة الحرة في مصر