في أحدث إدانة دولية لعمليات واشنطن العسكرية خارج أراضيها، وصفت منظمة العفو الدولية الضربة الجوية الأميركية التي استهدفت مركز احتجاز للمهاجرين في محافظة صعدة شمال غربي اليمن بأنها “جريمة حرب”، داعية السلطات الأميركية إلى فتح تحقيق عاجل وشفاف بشأنها، بعد أن أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات المهاجرين الأفارقة في أبريل/نيسان الماضي.

ضربة مميتة ضد مدنيين عُزّل
بحسب تقرير العفو الدولية الصادر اليوم، فإن الهجوم الذي نفذه الجيش الأميركي في 28 أبريل/نيسان 2025 ضمن ما يُعرف بـ”عملية الراكب الخشن” (Rough Rider) استهدف مركز احتجاز تديره سلطات الحوثيين في صعدة، كان يضم مئات المهاجرين الإثيوبيين المحتجزين لمجرد أن وضعهم القانوني غير منتظم.
وأكد التقرير أن الضربة الأميركية لم تراعِ مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، مما يجعلها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
واستند التحقيق إلى شهادات 15 ناجيًا من الهجوم، جميعهم من المهاجرين الإثيوبيين، إلى جانب تحليل صور أقمار صناعية ومقاطع فيديو وصور فوتوغرافية، أثبتت أن المبنى المستهدف لم يكن يستخدم لأي غرض عسكري، بل كان مركز احتجاز مدني معروفًا لدى منظمات إنسانية منذ سنوات.
وقالت المنظمة إن الضربة “أدت إلى مقتل وإصابة العشرات”، وإن الناجين تمكنوا من تحديد هوية 16 من القتلى جميعهم من الشبان الإثيوبيين في العشرينيات من أعمارهم. ووصفت المشاهد التي نقلها الناجون بأنها “مروعة”، إذ كان المبنى مكتظًا بالمحتجزين عندما ضربه الصاروخ، مما أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة منه واحتراق من بداخله.
“فشل قاتل” من واشنطن في التمييز بين الأهداف
قالت كريستين بيكرلي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن “الشهادات المروّعة للناجين ترسم صورة واضحة لمبنى مدني مكتظ بالمحتجزين جرى قصفه دون تمييز”.
وأضافت: “هذا فشل قاتل من جانب الولايات المتحدة في الوفاء بأحد التزاماتها الأساسية بموجب القانون الدولي الإنساني، وهو بذل كل ما هو ممكن للتحقق من طبيعة الهدف قبل ضربه”.
وأكدت بيكرلي أن على واشنطن تحمل المسؤولية الكاملة عن الضربة، مشددة على ضرورة تعويض الضحايا وعائلاتهم ماديًا ومعنويًا، ومحاسبة المسؤولين عنها، بمن فيهم من أعطوا الأوامر أو سمحوا بها بموجب مبدأ “المسؤولية القيادية”.
رد أميركي مقتضب وغامض
وقالت المنظمة إنها قدمت في 27 أغسطس/آب 2025 طلبًا رسميًا للقيادة المركزية الأميركية وقيادة العمليات الخاصة المشتركة لشرح هدف العملية وتبريرها، إلا أن الرد الأميركي جاء مقتضبًا في اليوم نفسه، مشيرًا فقط إلى أن الجيش الأميركي “يُقيّم جميع التقارير المتعلقة بالأضرار المدنية بجدية ويُراجعها بدقة”، من دون تقديم أي تفاصيل إضافية حول الهدف العسكري المزعوم.
ويرى مراقبون أن رد واشنطن الغامض يعكس محاولتها تجنّب الإقرار بمسؤوليتها القانونية، خاصة أن الحادثة جاءت في وقت يتصاعد فيه الجدل داخل الولايات المتحدة حول التورط العسكري في اليمن بعد انسحابها من أفغانستان، وما خلفته العمليات الجوية السابقة من ضحايا مدنيين.
شهادات تدين وواقع إنساني مأساوي
شهادات الناجين التي أوردها التقرير أظهرت أن المركز كان سجنًا مفتوحًا داخل مجمع صعدة المركزي، يضم عشرات الغرف ومرافق بدائية، وأن المهاجرين المحتجزين لم يكونوا مسلحين أو متورطين في أي أنشطة عسكرية.
وقال أحد الناجين إنهم “سمعوا صوت الطائرة يحوم فوق المبنى لدقائق، ثم سقط الصاروخ الأول ليتبعه آخر بعد ثوانٍ”، مشيرًا إلى أن “النيران انتشرت بسرعة كبيرة، ولم يتمكن كثيرون من الفرار”.
وأوضح آخر أن “الحراس لم يسمحوا للمحتجزين بالخروج من المبنى رغم رؤيتهم للطائرة”، مما ضاعف عدد الضحايا.
ووفقًا للتقرير، فإن معظم الجثث تفحّمت بالكامل، في حين تم نقل الجرحى إلى مستشفى صغير يفتقر إلى التجهيزات، مما تسبب في وفاة عدد منهم لاحقًا.
موقف سلطات الحوثيين والتحقيقات المحلية
وبينما طالبت العفو الدولية أيضًا سلطات الحوثيين بتقديم معلومات حول استخدام المبنى وعدد المحتجزين، ردّت وزارة العدل وحقوق الإنسان التابعة للحوثيين في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2025، مؤكدة أن المركز كان مخصصًا حصريًا للمهاجرين غير النظاميين، وأنه “لم يتم استخدامه لأي أغراض عسكرية”.
ونفت الوزارة أي انتهاكات تتعلق بظروف الاحتجاز، وقدمت قائمة بالضحايا الذين سقطوا في الضربة، لكنها لم توضح ما إذا كان هناك تحقيق محلي في أسباب عدم إخلاء المحتجزين أو اتخاذ تدابير وقائية لحمايتهم.
مسؤولية قانونية وأخلاقية
خلص تحقيق العفو الدولية إلى أنه لم يكن هناك أي هدف عسكري مشروع في الموقع، وأن القوات الأميركية انتهكت مبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في اتفاقيات جنيف، ما يجعل الهجوم بمثابة “جريمة حرب محتملة”.
وطالبت المنظمة الكونغرس الأميركي بالضغط لفتح تحقيق مستقل في العملية، مشيرة إلى أن “الإفلات من العقاب في مثل هذه الحالات يرسل رسالة خطيرة مفادها أن حياة المدنيين، وخاصة المهاجرين الأفارقة، يمكن أن تُسحق دون محاسبة”.
خاتمة: جريمة جديدة في سجل الانتهاكات الأميركية
تمثل هذه الحادثة حلقة جديدة في سلسلة الضربات الأميركية المثيرة للجدل في الشرق الأوسط، والتي تسببت مرارًا في مقتل مدنيين بزعم محاربة الإرهاب، من العراق إلى الصومال واليمن.
وتعيد الواقعة تسليط الضوء على استخدام القوة المفرطة دون رقابة قانونية أو مساءلة سياسية، ما يثير تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة فعليًا بالقانون الدولي الإنساني الذي تزعم الدفاع عنه.
وفيما ينتظر العالم نتائج التحقيق الموعود، تبقى الحقيقة المؤلمة أن عشرات المهاجرين الأفارقة فقدوا حياتهم في جريمة جديدة تحمل توقيع “صُنع في أمريكا”.
اقرأ أيضًا : الإمارات في مرمى الاتهام: تسليح “الدعم السريع” بأسلحة بريطانية يكشف شبكة توريد خفية وراء جرائم دارفور