منذ اللحظة الأولى لظهوره، لم يظهر استطلاع معهد إيفوب IFOP حول المسلمين في فرنسا كبحث اجتماعي محايد أو محاولة لفهم التحولات الدينية داخل المجتمع الفرنسي، بل كقطعة جاهزة صُنعت بعناية لتدخل مباشرة في ماكينة سياسية وإعلامية تبحث عن أي مادة تعزز خطاب الخوف والتقسيم. فالاستطلاع، الذي قُدّم باعتباره قياسًا “لعلاقة المسلمين بالإسلام والإسلاموية”، لم يلبث أن أصبح خلال ساعات قليلة محورًا لتصريحات وزارية وتحليلات أمنية ومقالات رأي، قبل أن تكشف سلسلة من التحقيقات الصحفية أن الجهة التي موّلته ليست مؤسسة إعلامية مستقلة، ولا جهة بحثية ذات مصداقية، بل واجهة لمجموعة مرتبطة بملف تجسس واسع النطاق تقوده أبوظبي داخل أوروبا منذ سنوات.
القصة لم تبدأ بنشر الأرقام، بل بدأت حين ظهر اسم الجهة التي طلبت من إيفوب إجراء الاستطلاع: مجلة “إكران دو فيي”، وهي منصة مجهولة للجمهور الفرنسي العادي، لكنها معروفة جيدًا لدى الصحفيين المتخصصين في قضايا التأثير الأجنبي بسبب ارتباطها الوثيق بشبكة Alp Services السويسرية، التي كشفت تحقيقات Mediapart وLibération عام 2023 أنها نفذت حملة تجسس واسعة لصالح الاستخبارات الإماراتية استهدفت أكثر من ألف شخص ومئات المنظمات في 18 دولة أوروبية. الملف المعروف إعلاميًا باسم “Abu Dhabi Secrets” كشف أن الشركة السويسرية جمعت بيانات دقيقة عن باحثين وسياسيين وجمعيات، ثم سلّمتها إلى أجهزة الأمن الإماراتية لتُستخدم لاحقًا في حملات تشويه منظمة عبر مقالات منشورة، حسابات وهمية، وتعديلات متعمدة على صفحات ويكيبيديا. نفس الشبكة التي قادت تلك الحملة هي التي تقف وراء المنصة التي موّلت استطلاع إيفوب، عبر شركة بريطانية غامضة تدعى Countries Reports Publishing، لا يُعرف مالكوها، ولا تظهر لها أنشطة سوى تمويل مؤسسات مهووسة بمهاجمة “الإسلام السياسي” وقطر والمنظمات الإسلامية في أوروبا.
ذلك الرابط وحده كان كافيًا لإثارة الشكوك. فكيف يمكن لمؤسسة بحثية فرنسية محترفة أن تجري استطلاعًا بطلب من جهة ظهرت اسماؤها في ملفات تجسس دولية؟ وكيف يُسمح لهذه الجهة، التي تملك تاريخًا واضحًا في الحملات الدعائية الممولة إماراتيًا، أن تحدّد موضوع الدراسة وتشارك في تصميم الأسئلة بينما تخفي مصادر تمويلها الحقيقية؟ إيفوب زعمت أن الجهة الممولة لم تتدخل في صياغة الأسئلة، لكن هذا الادعاء بدا متهافتًا حين ظهرت طبيعة الأسئلة نفسها، التي بدت أقرب إلى خطاب سياسي موجَّه منها إلى دراسة سوسيولوجية. فمصطلحات مثل “الإسلاموية”، “السلفية”، “الإخوان المسلمون”، و“القانون الإسلامي” طُرحت على المستجوَبين دون أي تعريف، ودون تمييز بين مستويات التدين أو الانتماء السياسي، وهي طريقة معروفة في استطلاعات الرأي غير المهنية لخلق إجابات مبهمة يمكن لاحقًا إعادة تأويلها بما يخدم الخطاب المرغوب.
الرقم الذي أصبح محور الجدل، وهو أن “46% من المسلمين يريدون تطبيق الشريعة”، لم يكن نتيجة سؤال مباشر أو واضح، بل نتاج عملية تجميع لنسبتين لا صلة لهما ببعضهما: فـ15% قالوا إن الشريعة يجب أن تُطبّق بالكامل، بينما قال 31% إنه يمكن تطبيق بعض جوانبها، بشرط توافقها مع قوانين الدولة. ورغم التناقض بين المجموعتين، قدّم المعهد الرقم النهائي ككتلة واحدة، ثم استخدمه الإعلام اليميني كدليل على وجود “مجتمع موازٍ” و“نزعة انفصالية”. هذا الأسلوب، الذي يشبه الانتقاء المتعمد أكثر من التحليل، يتسق مع الطريقة التي تعمل بها الحملات الدعائية عادة: خلق رقم صادم، تكراره في الإعلام، ثم غض الطرف عن سياقه.
في الخلفية، كانت الإمارات تواصل نشاطًا إعلاميًا وسياسيًا متصاعدًا في فرنسا خلال الشهور نفسها. قناة سكاي نيوز عربية، الممولة إماراتيًا، استضافت عضوة مجلس الشيوخ نتالي غوليه، وهي من أكثر الأصوات قربًا من الخطاب الإماراتي في أوروبا، لتروج في مقابلة مطولة لتحليل يربط وجود المسلمين في فرنسا بتهديد سياسي وأمني، ويضخم أرقامًا عن “الإخوان المسلمين” و“المساجد التابعة لهم”، ثم تقدّم الإمارات كنموذج يجب أن يحتذي به الغرب في “التعامل مع الإسلام السياسي”. المفارقة أن غوليه نفسها ظهرت في ملفات Alp Services سابقًا، وأن خطابها في المقابلة كان امتدادًا مباشرًا للرواية التي روّج لها الاستطلاع: مسلمون أكثر تدينًا، شباب أكثر تمسكًا بهويتهم، وجمهورية مهددة ما لم تُتخذ إجراءات أكثر صرامة.
في هذا السياق، لم يعد الاستطلاع مجرد وثيقة بحثية، بل جزءًا من حركة تأثير مترابطة: جهة تمويل مشبوهة لها صلة بحملة تجسس إماراتية، استطلاع يصاغ بمنهجية تفتح الباب لتأويلات مسبقة، إعلام فرنسي يميني يتلقف النتائج ويصدر منها تحذيرات، وإعلام إماراتي يعيد إنتاج الخطاب نفسه داخل قوالب جديدة. كل هذا حدث بينما شهدت فرنسا ارتفاعًا بنسبة 75% في بلاغات الإسلاموفوبيا خلال عام واحد، وهي إحصائية استخدمتها المجالس الإسلامية في فرنسا لتقديم شكوى رسمية ضد إيفوب، تتهمه فيها بتشويه المسلمين والتحريض عليهم، وبالمساهمة في خلق مناخ سياسي يمكن أن يترجم إلى قوانين وإجراءات تمييزية.
وحين وضعت هذه العناصر جنبًا إلى جنب، بدت القصة أبعد بكثير من مجرد استطلاع رأي. فالشبكة التي أعادت صياغة النقاش حول الإسلام في فرنسا لم تكن فرنسية خالصة، ولا محايدة، بل امتدادًا لحملة نفوذ خارجية تستثمر في توتر المجتمع الفرنسي وفي هشاشة النقاش السياسي حول الهوية. ما فعلته الإمارات في السنوات الأخيرة، وفق التسريبات والملفات المنشورة، هو محاولة إعادة تعريف “الإسلام” داخل أوروبا بما يتوافق مع رؤيتها الخاصة، عبر خنق أي خطاب إسلامي مستقل، وإعادة صياغة الممارسة الدينية نفسها باعتبارها تهديدًا. الاستطلاع جاء كأداة جديدة داخل هذا المشروع، يقدم “أرقامًا” تسمح للسياسيين بالقول إن المشكلة ليست في العنصرية أو التمييز، بل في المسلمين أنفسهم.
بهذه الصورة، لم يعد السؤال: “ماذا يقول الاستطلاع؟”
بل أصبح: “من الذي أراد لهذه النتائج أن تظهر بالشكل الذي ظهرت به؟ ولماذا الآن؟”
وهو سؤال يفتح بابًا واسعًا لإعادة التفكير في الدور الذي تلعبه استطلاعات الرأي حين تتحول من أدوات قياس إلى أدوات هندسة سياسية، وفي معنى أن تتحول دولة أجنبية إلى فاعل مؤثر داخل النقاش الداخلي الفرنسي عن الإسلام، عبر واجهات إعلامية واستخباراتية وبحثية تعمل بالتوازي لخدمة السردية نفسها.