لم تهدأ الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية ولو ليوم واحد، فصباح السبت سجّل الفلسطينيون جولة جديدة من العنف المنفلت الذي يقوده المستوطنون تحت حماية جيش الاحتلال. في منطقة خلايل اللوز شرق بيت لحم، أصيب عشرة فلسطينيين بعد هجوم منظم نفّذه عشرات المستوطنين الذين داهموا المنطقة واعتدوا على الأهالي بالضرب وإطلاق الرصاص ومحاولات إحراق المنازل.
وأكدت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن طواقمها تعاملت مع عشر إصابات مختلفة، بينها إصابة بالرصاص الحي في الفخذ نقلت إلى المستشفى، وثلاث إصابات بالرضوض نتيجة الاعتداء بالضرب، بينما جرى إسعاف الآخرين ميدانيا في ظل استمرار التوتر في المنطقة. وقالت المصادر إن المستوطنين حاولوا إحراق منزل يعود لعائلة صلاحات لولا تدخل الأهالي، الذين أجبروا المهاجمين على التراجع بعد مواجهات استمرت عدة دقائق.
المشهد لم يكن منعزلا؛ فالهجوم جاء في سياق تصعيد ممنهج تشهده الضفة الغربية منذ شهور طويلة، يقوم خلاله المستوطنون باقتحام القرى والأحياء الفلسطينية بحماية مباشرة من قوات الاحتلال، ما يجعل الهجمات جزءا من منظومة رسمية وليست مجرد أعمال فردية.

إدانات أوروبية وتصاعد الغضب الدولي من عنف المستوطنين
وبالتزامن مع تجدد هجمات المستوطنين، أصدرت أربع دول أوروبية كبرى ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا بيانا مشتركا دعت فيه الاحتلال الإسرائيلي إلى وقف العنف ضد المدنيين الفلسطينيين والالتزام بالقانون الدولي، معتبرة أن ما يجري في الضفة الغربية أصبح خارج السيطرة.
وزراء الخارجية الأوروبيون قالوا في بيانهم إنهم يدينون بشدة التصعيد “المهول” للعنف من جانب المستوطنين، وإن استمرار الاعتداءات يقوّض الاستقرار في الضفة الغربية ويهدد بانفجار شامل. هذه الإدانة تأتي بعد أيام قليلة من قيام مستوطنين بإحراق مسجد في بلدة بديا غرب سلفيت، وكتابة شعارات عنصرية شبيهة بتلك التي تستخدمها جماعات الإرهاب اليهودي.
ووفق ما نقلته وكالة وفا، فقد اقتحم مستوطنون محيط مسجد الفلاح في منطقة أبو زعين شمال بديا وأضرموا النار في أجزاء منه قبل أن يتمكن الأهالي من السيطرة على الحريق. الحادثة أعادت إلى الواجهة سلسلة طويلة من الاعتداءات على المساجد والكنائس والممتلكات الفلسطينية، ضمن سياسة تهدف لترويع السكان ودفعهم نحو الهجرة القسرية.
عامان من العنف المنهجي في الضفة.. واستراتيجية واضحة للتطهير البطيء
منذ أكثر من عامين تعيش الضفة الغربية على وقع تصعيد غير مسبوق، شمل اقتحامات يومية لمدن وقرى فلسطينية، وتنفيذ عمليات اغتيال واعتقال واسعة، بالتوازي مع حرب الإبادة التي شنّتها “إسرائيل” على قطاع غزة منذ الثامن من أكتوبر 2023 واستمرت لعامين كاملين.
الأرقام الرسمية الفلسطينية تكشف حجم المأساة. فقد أدى العنف الإسرائيلي في الضفة الغربية إلى استشهاد أكثر من 1083 فلسطينيا وإصابة نحو 11 ألفا، إضافة إلى اعتقال أكثر من 20 ألفا و500 شخص منذ بداية التصعيد. وهذه الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح أن الضفة الغربية تعيش عملية قمع ممنهجة وليست مجرد مواجهات متفرقة.
كما طالت الاعتداءات الممتلكات الزراعية، حيث دمّر المستوطنون وجيش الاحتلال ما يزيد على 48 ألفا و728 شجرة، بينها أكثر من 37 ألف شجرة زيتون، وهي عماد اقتصاد آلاف العائلات الفلسطينية. وبذلك تتحول الهجمات من اعتداءات فردية إلى خطة تستهدف الوجود الفلسطيني نفسه عبر تجريف الأرض وقطع سبل عيش السكان.
خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار وتجاهل كامل للوسطاء
في العاشر من تشرين الأول أكتوبر الماضي دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين الاحتلال وحركة حماس حيّز التنفيذ بوساطة قطرية مصرية تركية وبرعاية أمريكية. لكن على الأرض، عملت “إسرائيل” على تقويض الاتفاق من يومه الأول.
فوفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتكبت قوات الاحتلال أكثر من 500 خرق للاتفاق منذ دخوله حيز التنفيذ، وقتلت خلال هذه الخروقات أكثر من 340 فلسطينيا في غزة والضفة. ويعني ذلك أن الاحتلال يستخدم وقف إطلاق النار كغطاء لمواصلة سياسته العسكرية دون تحمل الكلفة السياسية أمام المجتمع الدولي.
الهجمات المتكررة للمستوطنين، من إحراق المساجد إلى محاولات قتل المدنيين، تجري دائما في ظل غياب أي محاسبة، ما يصنع مناخا يسمح بارتكاب جرائم أكبر. هذا المشهد بات جزءا من استراتيجية إسرائيلية قائمة على تكامل أدوار الجيش والمستوطنين: الجيش يفرض الحصار والاعتقالات والاقتحامات، بينما يقوم المستوطنون بتنفيذ أعمال العنف اليومية لترويع القرى ودفع السكان نحو النزوح الذاتي.
جرائم الاحتلال.. وتحوّل الضفة إلى ساحة مفتوحة دون حماية
ما يجري في الضفة الغربية اليوم يتجاوز إطار الاعتداءات الفردية، فهو أقرب إلى سياسة منظمة للتطهير التدريجي، تستخدم فيها “إسرائيل” أدوات متعددة لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم عبر العنف المباشر وتدمير مصادر الرزق وإحراق الممتلكات وفرض الحصار الدائم. وفي خلايل اللوز شرق بيت لحم، كما في سلفيت والخليل ونابلس وطوباس، تتكرر القصة نفسها: اعتداءات ينفذها المستوطنون، حماية يوفرها الجيش، وصمت دولي عاجز لا يتجاوز بيانات الإدانة.
وبينما يواصل الاحتلال ارتكاب الجرائم في الضفة والقطاع على حد سواء، تتسع الهوة بين الخطابات الغربية التي تدعو للهدوء وبين واقع الاحتلال الذي يفرض بقوة السلاح. هجوم خلايل اللوز الأخير ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات، لكنه يعكس بوضوح أن ما يجري هو مشروع قائم على تجريف الأرض وتهجير الإنسان الفلسطيني بكل الوسائل المتاحة.
اقرأ أيضًا : عنصرية رئيس الولايات المتحدة.. ترامب يعلن وقف الهجرة من دول العالم الثالث