في مشهد يعكس استمرار سياسة الضغط العسكري على الفلسطينيين، صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، من اقتحاماته وهجماته في عدد من مدن وبلدات الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع موجة جديدة من إخطارات الهدم التي تستهدف منشآت سكنية وزراعية، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها امتدادا لسياسة “تفريغ الأرض” وفرض وقائع جديدة تخدم مشروع الاستيطان.
شهدت مناطق عدة في الضفة الغربية تحركات عسكرية مكثفة، بدأت باقتحام مخيم الفارعة جنوب طوباس، شمالي الضفة، حيث توغلت آليات الاحتلال داخل المخيم، بينما انتشرت وحدات مشاة بين الأزقة والأحياء السكنية في استعراض قوة مألوف لدى سكان المخيم الذين اعتادوا، منذ سنوات، الاقتحامات الليلية والمداهمات المفاجئة. ورغم عدم الإعلان عن اعتقالات خلال العملية، فإن حالة التوتر التي سادت المخيم تعكس حجم الخوف الدائم الذي تتركه مثل هذه الاقتحامات على حياة المدنيين، خاصة الأطفال والنساء.
وفي وسط الضفة الغربية، تكررت مشاهد المداهمات، إذ اقتحمت قوات الاحتلال بلدة المزرعة الشرقية وقرية دير جرير شرق رام الله، قبل أن تتوسع دائرة العمليات لتشمل بلدة قباطية جنوب جنين، وبلدة الرام شمال القدس، وفق ما أفادت به إذاعة صوت فلسطين. وتعد هذه المناطق من البؤر الساخنة التي تشهد منذ أشهر عمليات اقتحام متكررة، تتخللها عمليات إطلاق نار، وتخريب ممتلكات، وترويع للأهالي تحت ذريعة “الملاحقة الأمنية”.

تصعيد في سياسة الهدم والتهجير
في جنوب شرق القدس، برز وجه آخر من التصعيد الإسرائيلي، عبر توزيع أكثر من 10 إخطارات هدم تستهدف منشآت فلسطينية قرب تجمع عرب الجهالين، أحد أكثر المناطق تعرضاً لمحاولات التهجير القسري خلال السنوات الأخيرة. وتشمل الإخطارات مبانٍ سكنية ومنشآت زراعية يعتمد عليها السكان في معيشتهم، ما يعني أن الهدم لا يستهدف الحجر فقط، بل يسعى فعلياً إلى تدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية للتجمعات الفلسطينية ودفع السكان إلى الرحيل.
وتشير معطيات محافظة القدس لشهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إلى أن جيش الاحتلال نفذ 27 عملية هدم وتجريف، إلى جانب توزيع 45 إخطار هدم، في مؤشر واضح على زيادة وتيرة الإجراءات العقابية التي تمارس تحت غطاء “البناء غير المرخّص”، بينما يُحرم الفلسطينيون فعلياً من الحصول على تراخيص بناء بسبب السياسات التمييزية.
ويؤكد ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن هذه الإخطارات، إلى جانب عمليات الاقتحام المتكررة، تُشكل عناصر متكاملة في سياسة ممنهجة تهدف إلى تفكيك الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة “ج”، خاصة تلك المحيطة بالقدس والتي تعد حيوية لمخططات التوسع الاستيطاني.
الخليل تعلن الإضراب.. والغضب يتصاعد
في مدينة الخليل، أعلن مجلس البلدية الإضراب الشامل، الأحد، تنديداً بمقتل فلسطينيين اثنين في منطقة باب الزاوية برصاص قوات الاحتلال. جاء ذلك بعد يوم من إعلان الجيش الإسرائيلي قتل الشابين بزعم محاولتهما تنفيذ “عملية دهس” عند حاجز شوتير قرب المدينة. ورغم بيان الجيش الذي ادعى أن “المركبة انطلقت بسرعة نحو قوات المظليين”، فإن الأهالي يشككون في الرواية الرسمية، معتبرين أن سياسة إطلاق النار باتت تُستخدم بشكل مفرط وتحت ذرائع جاهزة.
ومنذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تشهد الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق في الاعتداءات التي ينفذها جيش الاحتلال والمستوطنون، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1090 فلسطينيا وإصابة نحو 11 ألفًا، إضافة إلى اعتقال أكثر من 21 ألفًا، وفق بيانات رسمية فلسطينية. وتؤكد هذه الأرقام أن الضفة تحولت إلى ساحة مفتوحة للقمع، بالتوازي مع العدوان المستمر على غزة.
ارتدادات حرب الإبادة على غزة تمتد إلى الضفة
لا يمكن قراءة التصعيد في الضفة الغربية بمعزل عن سياق حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكثر من عامين، والتي أسفرت عن استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني وإصابة نحو 171 ألفا معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى دمار واسع تُقدر الأمم المتحدة كلفة إعادة إعماره بحوالي 70 مليار دولار.
ويرى محللون أن الاحتلال يسعى، عبر توسيع دائرة القمع في الضفة، إلى منع أي شكل من أشكال المقاومة الشعبية أو التنظيمية التي قد تشكل ضغطاً متزامناً مع المعركة الدائرة في غزة. كما تعمل سلطات الاحتلال على استثمار حالة الانشغال الدولي بالمأساة الإنسانية في غزة لفرض تغييرات ديموغرافية في الضفة، سواء عبر تكثيف الهدم أو توسيع المستوطنات أو تمكين مجموعات المستوطنين المتطرفين من تنفيذ اعتداءاتهم دون رادع.
خلاصة
تكشف الأحداث المتتابعة في الضفة الغربية عن مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي، تجمع بين الاقتحامات العسكرية، والهدم، والاعتقالات، واستهداف المدنيين. ورغم أن هذه الإجراءات ليست جديدة، فإن تزامنها واتساع نطاقها يعكسان توجهاً إسرائيلياً نحو تكريس واقع أمني وسياسي يهدف إلى خنق الوجود الفلسطيني وإضعاف أي إمكانية لبلورة موقف موحد في مواجهة الاحتلال، في ظل حرب إبادة مستمرة في غزة وتجاهل دولي يتسع يوماً بعد يوم.
اقرأ أيضا : الكويت تسحب الجنسية من طارق السويدان.. قرار رسمي يعمّق أزمة الحريات ويكرّس مسار القمع