يشهد شرق اليمن تطورات ميدانية متسارعة تعيد رسم خريطة النفوذ في واحدة من أكثر المحافظات حساسية، بعد توغل ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم بقوة من الإمارات، وما رافق ذلك من انتهاكات وعمليات سطو واسعة أثارت غضب الأهالي ودَفعت محافظ حضرموت سالم الخنبشي للدعوة إلى “لجان حصر الانتهاكات وتعويض المتضررين”. ومع هذا التقدم العسكري المفاجئ، يلوح في الأفق سؤال أكبر: هل تدفع أبوظبي المنطقة إلى مرحلة جديدة من الفوضى والتقسيم؟.

انفجار ميداني شرقي اليمن
خلال الأيام الماضية، أكملت ميليشيا الانتقالي سيطرتها على محافظة المهرة، قبل أن تتجه نحو وادي حضرموت ومناطق في شبوة، بما فيها حقول نفطية ومنشآت حيوية. هذا التمدد لم يكن وليد اللحظة؛ بل يأتي ضمن استراتيجية إماراتية مستمرة منذ سنوات لتفكيك الجنوب والسيطرة على الموانئ والمناطق النفطية، عبر وكلاء محليين يحملون السلاح ويتحركون خارج إطار الدولة.
وبحسب مصادر محلية، جاءت السيطرة بعد مواجهات محدودة خاضتها ميليشيا الانتقالي ضد قوات المنطقة العسكرية الأولى التابعة للحكومة، وضد “حلف قبائل حضرموت”، وهو كيان قبلي مستقل رفض الانصياع لمشروع الانتقالي.
انتهاكات وعمليات سطو بعد دخول الانتقالي
محافظ حضرموت سالم الخنبشي، وفي تصريحات صريحة، كشف أن ما حدث بعد دخول ميليشيا الانتقالي لا يمكن اعتباره “انتشاراً أمنياً”، بل فوضى منظمة شملت “عمليات سطو وسرقة لممتلكات خاصة وعامة”، في مشهد يعيد للأذهان الانتهاكات التي رافقت سيطرة الانتقالي على عدن وسقطرى خلال السنوات الماضية بدعم مباشر من أبوظبي.
الخنبشي دعا عبر قناة “العربية” إلى تشكيل لجان رسمية لحصر الانتهاكات وتعويض المتضررين، مؤكداً عدم وجود تعزيزات جديدة للانتقالي، لكنه شدد على أن الوضع الحالي يخدم الحوثيين، وأن حضرموت كانت تعيش حالة استقرار لا يرغب أحد في تعكيرها سوى الأطراف الساعية لفرض واقع جديد بالقوة.
هذه الصورة تفتح الباب أمام سؤال جوهري:
هل الانتهاكات جزء من سلوك ميليشياوي اعتيادي، أم أنها رسالة ترهيب لفرض السيطرة السياسية؟
أبوظبي.. اللاعب الخفي الذي لا يغيب
توسع الانتقالي في حضرموت والمهرة لا يمكن فصله عن الدور الإماراتي الإجرامي الذي يتكرر في كل محافظة تشهد تفككاً أمنياً. فالإمارات –كما يرى محللون– تستخدم الانتقالي كـ”ذراع مسلحة” لاقتطاع الجنوب اليمني والتحكم في طرق التجارة والطاقة والموانئ، في امتداد لسياستها التي بدأت بالسيطرة على سقطرى، وبناء قواعد عسكرية في ميون وباب المندب.
ومع أن الإمارات تدّعي دعم “الاستقرار”، فإن الواقع يقول إنها أبرز من يمول ويدرّب ويسلّح هذه الميليشيا، وتغض الطرف عن الانتهاكات التي ترتكبها في عدن ولحج وشبوة، وصولاً إلى حضرموت اليوم.
وبهذا المشهد، تبدو حضرموت أمام محاولة ممنهجة لإعادة تشكيلها سياسياً وجغرافياً بما يخدم النفوذ الإماراتي في البحر العربي وخطوط النفط.
موقف سعودي حذر.. وقلق من تفجير حضرموت
في خضم هذه التطورات، برز صوت سعودي يدعو للتهدئة. اللواء محمد القحطاني، رئيس الوفد السعودي الذي وصل إلى المحافظة، أكد بوضوح أن الرياض ترفض إدخال حضرموت في صراعات جديدة، مطالباً ميليشيا الانتقالي بالانسحاب من حضرموت والمهرة والعودة إلى معسكراتها.
القحطاني شدد على ضرورة أن تتولى قوات درع الوطن مسؤولية حماية المعسكرات، في إشارة إلى رغبة سعودية في إعادة ضبط التوازن العسكري أمام النفوذ الإماراتي المتزايد. كما حذر من أن المجتمع الحضرمي “مسالم ولا يحتمل صراعات جديدة”.
تصريحات القحطاني تكشف بجلاء أن السعودية تدرك خطورة التحركات الأخيرة، وأن توسع الانتقالي –بدعم أبوظبي– يهدد ليس فقط وحدة اليمن، بل حتى الأمن الإقليمي في ظل حساسية موقع حضرموت وحقول النفط فيها.
هدنة هشة وصراع أوسع
قبل أيام فقط، شهدت حضرموت مواجهات محدودة بين ميليشيا الانتقالي و”حلف قبائل حضرموت”، أسفرت عن عشرة قتلى، في خرق واضح لهدنة تمت بوساطة سعودية.
هذه الاشتباكات ليست سوى مقدمة لما قد يتحول إلى انفجار واسع إذا استمرت ميليشيا الانتقالي في فرض السيطرة بالقوة.
فالقبائل ترفض أي وجود مسلح يهدد حكمها المحلي، والحكومة تعتبر ما يجري “انقلاباً تدريجياً”، بينما الحوثيون يراقبون الأمر باعتباره هدية مجانية قد تسمح لهم بتوسيع نفوذهم.
الجنوب بين مشروعين: دولة أم دويلة؟
تأسس “حلف قبائل حضرموت” عام 2013 ككيان مدني يطالب بالحكم الذاتي، لكنه يرفض التبعية لميليشيا الانتقالي أو لحكومة عدن، ما يجعل الصدام بين الطرفين سياسياً وقبلياً في آن واحد.
ومع أن مدن ساحل حضرموت تخضع لقوات النخبة الحضرمية الموالية للانتقالي، فإن وادي حضرموت وصحراءها ما زالت تحت سيطرة ألوية حكومية، ما ينذر بتوازن هش قد ينقلب في أي لحظة.
خاتمة: حضرموت في قلب معركة النفوذ
ما يحدث اليوم ليس مجرد “انتشار أمني”، بل حلقة جديدة من مخطط الإمارات لإعادة هندسة الجنوب اليمني عبر وكلائها المسلحين.
انتهاكات، سطو، سيطرة على النفط، وتقدم ميداني يهدد بتفكيك اليمن إلى كانتونات تتصارع فيها الميليشيات.
السعودية تحاول إطفاء الحرائق، لكن النار تتسع، والإمارات تمضي في مشروعها، والانتقالي يتحرك كقوة أمر واقع غير خاضعة للدولة.
ويبقى السؤال:
هل تستطيع حضرموت النجاة من هذا التمدد الميليشياوي، أم أنها مقبلة على مرحلة أشد اضطراباً في تاريخها الحديث؟
اقرأ أيضا : تحقيق إسرائيلي يفضح إجرام الاحتلال: إعدام ميداني لأخوين فلسطينيين في نابلس ومنع إسعافهما حتى الموت