أعادت لقطات بثّتها وسائل إعلام عبرية الجدل حول معاملة كتائب القسّام لأسرى الاحتلال داخل غزة، بعدما أظهرت صورًا وفيديوهات – قالت القنوات الإسرائيلية إن جيش الاحتلال عثر عليها داخل أحد الأنفاق برفح – ستةً من أسرى الاحتلال وهم يحتفلون بعيد الحانوكاه اليهودي، في مشهد بدا صادمًا للشارع الإسرائيلي، وغير منسجم مع الرواية الرسمية التي تتحدث منذ أشهر عن “تعذيب وحشي ومعاملة لا إنسانية”.
وتُظهر اللقطات الأسرى مجتمعين داخل غرفة صغيرة في النفق، وقد أُحضرت لهم مستلزمات الاحتفال من شموع ومواد رمزية مرتبطة بطقوس العيد اليهودي. ووفق الرواية العبرية، فإن “القسام سمحت للأسرى بإقامة طقوسهم الدينية كاملة”، بما يشمل إشعال الشموع وترديد التراتيل التقليدية للحانوكاه، وهو ما أثار موجة نقاش داخل المجتمع الإسرائيلي، بين من رأى أنّ المشهد “محاولة دعائية من حماس”، وبين من اعتبره “فضيحة تقوّض رواية الحكومة حول سوء معاملة الأسرى”.
دائمًا ما تدعي إسرائيل أن المقاومة تحارب اليهود وتريد إبادتهم ، ولا تحارب الاحتلال. لكن الغريب أن إسرائيل نشرت توثيقًا تم العثور عليه أثناء احتفال ستة أسرى إسرائيليين بعيد الحانوكا داخل الأنفاق في رفح ، قبل أن يقتلهم الجيش الإسرائيلي أثناء القصف الهمجي القطاع.
هذا المقطع لم… pic.twitter.com/uBroGA4Bnr
— Tamer | تامر (@tamerqdh) December 11, 2025
مشهد يناقض الخطاب الإسرائيلي ويعزز رواية المقاومة
منذ بداية الحرب على غزة، روّجت حكومة الاحتلال، عبر مسؤوليها وجهاز استخباراتها وإعلامها، سردية متواصلة عن “تعذيب” و”تجويع” و”اعتداءات” تعرض لها الأسرى داخل غزة. لكنّ المقطع المتداول جاء ليقلب هذه السردية رأسًا على عقب، ويطرح أسئلة محرجة حول صدقية شهادات بعض الأسرى المُفرج عنهم، والتي اتضح لاحقًا أنّ جزءًا منها جاء ضمن سياق ضغط حكومي لإسناد رواية الحرب.
نشطاء وحقوقيون علّقوا على المقطع بالقول إنه “الأقوى حتى الآن في إثبات أنّ المقاومة التزمت بمعايير أخلاقية في التعامل مع الأسرى، رغم القصف والحصار وارتكاب الاحتلال لجرائم واسعة النطاق”. واعتبروا أنّ مشهد الاحتفال بالعيد اليهودي داخل نفق مقاوم “يكشف بوضوح حجم الفارق بين من يقاتل دفاعًا عن أرضه وشعبه، وبين جيش يمارس التنكيل اليومي ضد المدنيين الفلسطينيين”.
من الاحتفال داخل النفق إلى العثور على الجثث: خط تصعيد دفع نحو المأساة
اللافت أنّ الفيديو يرتبط مباشرة بسياق آخر أكثر تعقيدًا، إذ إنّ الأسرى الذين ظهروا في المقطع هم أنفسهم الذين أعلنت قوات الاحتلال، في الأول من سبتمبر/أيلول 2024، العثور على جثثهم داخل نفق في رفح. ورغم أنّ الاحتلال لم يكشف تفاصيل دقيقة حول ظروف وفاتهم، فإنّ كتائب القسام كانت قد حذّرت – قبل أشهر – من أنّ توسيع الهجوم على رفح سيعرض حياة الأسرى للخطر، وأن استمرار القصف الهستيري سيجعل الحفاظ عليهم أمراً شبه مستحيل.
وبحسب المتحدث باسم جيش الاحتلال في حينه، تم انتشال جثث الأسرى:
هيرش غولدبرغ بولين، آدن يروشالمي، كرمل جات، ألموغ ساروسي، ألكس لوبانوف، وأوري دانينو. كما أشار إلى أن أحدهم يحمل الجنسية الأمريكية. ووفقًا لتقارير إسرائيلية، فقد عُثر على الجثث على مقربة من المكان الذي احتُجز فيه الأسير فرحان القاضي – من بدو النقب – والذي تركته المقاومة حيًا فعاد لعائلته، في واقعة عززت رواية القسام حول التزامها الأخلاقي تجاه من لم يشكّل تهديدًا لحياتهم أو لحياة المقاتلين.
غضب داخلي في إسرائيل: الحكومة في مرمى الاتهام
إعلان العثور على الجثث فجّر غضبًا عارمًا داخل الشارع الإسرائيلي، إذ اتهمت عائلات الأسرى الحكومة بالفشل، وخرجوا يغلقون طرقًا مركزية في تل أبيب، معتبرين أن تصعيد الحرب ورفض التوصل لصفقة تبادل هو ما قتل أبناءهم.
ومع انتشار المقطع الجديد، عاد الجدل بقوة: هل كانت حكومة الاحتلال تُضلل الإسرائيليين؟ وهل تجاهلت عمداً تحذيرات المقاومة؟ وهل فضّلت استمرار الحرب على إنقاذ حياة الأسرى؟
جماعات ناشطة في ملف الأسرى قالت إن المقطع “يُظهر بجلاء أنّ الأسرى لم يكونوا في حالة التعذيب المروّعة التي روّج لها الجيش”، مشيرة إلى أن “السماح لهم بممارسة طقوس دينية كاملة لا يحدث إلا في بيئة تحترم الحد الأدنى من حقوق الإنسان”.
رسالة إنسانية من قلب المقاومة: الأخلاق قبل السلاح
تاريخيًا، حاولت كتائب القسام – في كل بياناتها المتعلقة بالأسرى – التأكيد على أنها تتعامل وفق “أخلاقيات الإسلام وشرف المقاتل الفلسطيني”، وهو ما تراه جزءًا من معركة الوعي والصورة أمام العالم.
لكنّ الفيديو كشف بعدًا آخر: روح المقاومة التي لا تلغي إنسانية الخصم رغم بشاعة الاحتلال.
فالسماح لأسرى من جيش يشن حربًا مدمرة على غزة بالاحتفال بعيدهم الديني داخل نفق مقاوم، وتقديم مستلزمات العيد لهم، يقدم صورة حادة التناقض مع ما يفعله الاحتلال يوميًا من اقتحامات وإعدامات ميدانية وقصف للمدنيين، ويعكس فلسفة ترى أن الصراع مع إسرائيل هو صراع سياسي واستعماري، لا صراعًا دينيًا أو طائفيًا.
خلاصة: مقطع يعيد صياغة السردية ويكشف عمق مأزق الاحتلال
لم يكن مقطع الاحتفال بالحانوكاه مجرد مشهد عابر التُقط صدفة داخل نفق، بل كان – بالنسبة لكثيرين – وثيقة إنسانية وسياسية تعيد تذكير العالم بأن المقاومة ليست مجرد قوة عسكرية، بل منظومة قيمية تعطي معنى مختلفًا لفكرة الصمود.
وبينما يواصل الاحتلال حربه على غزة بزخم غير مسبوق، تبدو هذه اللقطات شهادة دامغة على أن القسام استطاعت أن تجمع بين القتال الشرس وبين الحفاظ على الحد الأدنى من الأخلاق، في وقت فقدت فيه إسرائيل بوصلة الأخلاق والسياسة معًا.
المقطع، بكل رمزيته، يعكس جوهر المعركة:
شعب ينشد الحرية ويقاوم باحترام إنسانية الآخر، في مواجهة قوة احتلال لا ترى في الفلسطيني إلا هدفًا عسكريًا.
اقرأ أيضًا : ترامب يدعم مخططات الاحتلال باسم “السلام”: لواء أمريكي لقيادة قوة الاستقرار في غزة