كشفت تقارير حقوقية متطابقة عن تصعيد أمني لافت تشنه السلطات المصرية ضد مجموعات شبابية تنتمي إلى ما يُعرف بـ“جيل زد”، في خطوة تعكس انتقال نظام عبد الفتاح السيسي إلى مرحلة جديدة من القمع، لا تستهدف الشارع فقط، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي ذاته. ووفق الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، فإن أجهزة الأمن اعتقلت عشرات الشباب، أغلبهم من صغار السن، بعد رصد واختراق مجموعات تفاعلية على منصات تواصل إلكترونية، أبرزها تطبيق “ديسكورد”، الذي بات يمثل مساحة بديلة للنقاش السياسي والتنظيم الشبابي في ظل الإغلاق الكامل للمجال العام.

وتشير الشبكة إلى أن عدداً من المحتجزين جرى عرضهم على جهات التحقيق، فيما لا يزال آخرون قيد الإخفاء القسري دون إعلان رسمي عن أوضاعهم القانونية، في انتهاك صارخ لمبادئ سيادة القانون. هذا التصعيد، بحسب حقوقيين، لا يمكن فصله عن القلق المتنامي داخل دوائر الحكم في القاهرة من تشكّل وعي سياسي جديد بين جيل لم يعش لحظة “25 يناير” لكنه يتأثر بنتائجها ويقرأ إخفاقات ما بعدها.

اختراق الفضاء الرقمي بدل احتواء الغضب

الحقوقي أحمد العطار يؤكد أن استهداف نشطاء الإنترنت ليس جديداً، لكنه دخل مرحلة أكثر تطوراً، حيث تعتمد الأجهزة الأمنية على اختراق المجموعات الشبابية عبر إنشاء مجموعات وهمية مشابهة للأصلية من حيث التصميم والمحتوى، يتم من خلالها استدراج مشاركين جدد قبل اعتقالهم. ويضيف أن هذا النهج يعكس عقلية أمنية ترى في أي مساحة حرة للنقاش تهديداً مباشراً لبقاء النظام، لا فرصة للاحتواء أو الإصلاح.

في هذا السياق، برز تطبيق “ديسكورد” كمنصة مقلقة للسلطات، كونه يتيح إنشاء غرف نقاش مغلقة وشبه مغلقة، ويُستخدم عالمياً من قبل مجموعات شبابية في التنظيم والتواصل بعيداً عن الرقابة التقليدية. ورغم نفي السلطات فرض حظر رسمي عليه، إلا أن مستخدمين داخل مصر يشكون من صعوبات متكررة في الوصول إليه، ما يعزز فرضية التضييق التقني غير المعلن.

“جيل زد”.. كابوس الأنظمة السلطوية

يمثل “جيل زد”، المولود بين عامي 1997 و2012، شريحة واسعة من سكان مصر تُقدّر بنحو 40 مليون شاب وشابة. وهو جيل نشأ في ظل أزمات اقتصادية خانقة، وديون متصاعدة، وانسداد سياسي كامل، مقابل استعراض فجّ للثراء والامتيازات من قبل فئات مرتبطة بالسلطة. عالمياً، لعب هذا الجيل دوراً محورياً في احتجاجات شهدتها دول مثل كينيا وبنغلاديش والمغرب، حيث انطلقت حراكات شبابية من الفضاء الرقمي إلى الشارع، ما جعل التجربة المغربية حاضرة بقوة في حسابات الأمن المصري.

بالنسبة لنظام السيسي، لا تكمن الخطورة فقط في الدعوات المباشرة للتظاهر، بل في النقاشات الهادئة التي تتناول قضايا “محرّمة” مثل الديون، وبيع الأصول، والتفريط في الموارد، والسجون، ودور الجيش في الاقتصاد. هذه النقاشات، التي تجري على “ديسكورد” ومنصات مشابهة، تُنتج وعياً تراكميّاً يصعب احتواؤه بالأساليب التقليدية.

درس 25 يناير الذي لم يتعلمه النظام

يرى محمد حمدي، نائب رئيس حزب “تكنوقراط مصر”، أن النظام يكرر الخطأ ذاته الذي سبق ثورة 25 يناير، حين اعتقد أن القبضة الأمنية كفيلة بضمان الاستقرار. ويشير إلى أن مجرد السعي لاختراق تطبيقات التواصل يعكس هشاشة السلطة وخوفها من جيل في مقتبل العمر، كان الأجدر احتواؤه والاستماع إلى مطالبه بدل ملاحقته وشيطنته.

ويحذر حمدي من أن الاعتقالات العشوائية، أو تلفيق القضايا على أساس استخدام تطبيقات بعينها، لا تؤدي سوى إلى توسيع دائرة الغضب، مؤكداً أن “من يعادي الجميع، خصوصاً الشباب، يراكم أسباب السقوط”.

جيل بلا خوف… وقمع بلا حدود

من جانبه، يرى الصحفي والناشط أدهم حسانين أن ما يقلق النظام حقاً هو أن هذا الجيل لم يتشبع بثقافة الخوف التي أعقبت انقلاب 2013. فهؤلاء الشباب، لصغر سنهم آنذاك، لم يعيشوا صدمة القمع الأولى، لكنهم يعيشون اليوم نتائجها الكارثية، ما يمنحهم دافعاً أكبر للتغيير. ويؤكد أن غياب الخوف، مقروناً بالوعي الرقمي، يجعل من الصعب كبح هذا الجيل، حتى لو جرى اختراق منصة أو إغلاق أخرى.

قمع السيسي… من الشبان إلى الفتيات

ولا يقتصر القمع على الذكور، إذ يؤكد حقوقيون تصاعد اعتقال الفتيات على خلفية نشاط رقمي محدود، مثل كتابة منشور أو التفاعل مع محتوى معارض. ووفق عبدالرحمن البدراوي، شهد عام 2025 ارتفاعاً غير مسبوق في عدد المعتقلات، في مؤشر خطير على أن نظام السيسي لم يعد يميز بين شاب وفتاة في حملته لتجفيف أي مساحة للتعبير.

في المحصلة، يكشف حصار “جيل زد” واختراق “ديسكورد” عن حقيقة جوهرية: نظام السيسي لا يخشى تنظيماً بعينه بقدر ما يخشى جيلاً كاملاً بلا مرض الخوف، جيل يرى القمع بوضوح، ويدرك أن إسكات الأصوات الرقمية اليوم قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يمنعه.

اقرأ أيضًا : أمستردام على صفيح ساخن: صدامات احتجاجًا على حفل لمغنٍ في جيش الاحتلال