بقلم: محمود المنصور
بعيدًا عن البيانات العسكرية والنبرة الحازمة التي طبعت خطابات الناطق باسم كتائب القسام، يفتح شقيقه أسيد الكحلوت نافذة إنسانية نادرة على حياة الرجل الذي عرفه العالم باسم أبو عبيدة، فيما بقيت ملامحه غائبة وصوته حاضرًا في لحظات مفصلية من تاريخ الصراع. شهادة الأسرة، كما نقلها برنامج “المسائية” على الجزيرة مباشر، لا تكتفي بسرد تفاصيل شخصية، بل تُعيد تركيب صورة مناضل عاش حياة زاخرة بالإيمان والانضباط، وانتهى إلى المصير الذي طالما ردده: “نصر أو استشهاد”.
يقول أسيد الكحلوت إن غزة تلقت نبأ استشهاد شقيقه بألم عميق ممزوج بالفخر، معتبرًا أن الفقد لم يكن عائليًا فحسب، بل وطنيًا عامًا. فـ“أبو عبيدة” — أو “أبو إبراهيم” كما ينادونه في البيت — لم يكن مجرد ناطق عسكري، بل رمزًا لجيل كامل من المقاتلين الذين تشكل وعيهم في ظل الحصار والحروب المتكررة، وتكوّنت قناعاتهم على أن القيادة تكليف، وأن الراية لا تسقط باستشهاد حاملها.

إنسان هادئ.. وبيت من القرآن
بعيدًا عن المنابر، يرسم شقيقه ملامح إنسان هادئ، متديّن، شديد الارتباط بالقرآن الكريم. حفظ القرآن في سن مبكرة، وجعل من بيته مدرسة قرآنية، حتى غدا القرآن محورًا يوميًا في حياة الأسرة. يروي أسيد أن ابنه الأكبر أتم حفظ القرآن كاملًا، فيما حفظت ابنتاه ليان ومنّة الله القرآن خلال الحرب الأخيرة، رغم القصف والحصار، في صورة تختصر كيف امتزج الإيمان بالمقاومة في تفاصيل الحياة اليومية.
ويضيف أن “أبو إبراهيم” كان بارًّا بوالديه، محبًا لأسرته، يستشهد بالقرآن في النصح والتوجيه، حتى في أدق التفاصيل. لم يكن يرفع صوته في البيت كما في الخطاب العام؛ بل كان صمته، كما يصفه شقيقه، لغة أخرى من الانضباط واليقين.
وعي بالمصير… لا خوف منه
لم تكن التهديدات الإسرائيلية باغتياله طارئة على حياته. منذ البداية، كان يدرك — بحسب شهادة شقيقه — أن الطريق الذي اختاره لا يفضي إلا إلى خيارين. هذه القناعة لم تُنتج خوفًا، بل صلابةً. لذلك، لم تكن عبارته الشهيرة في ختام خطاباته شعارًا إعلاميًا، بل خلاصة وعي وتجربة. كان يرى نفسه امتدادًا لقادة سبقوه، واجهوا المصير ذاته، وتركوا لمن بعدهم مسؤولية الاستمرار.
خطاب للأمة… لا لغزة وحدها
يرى أسيد الكحلوت أن رسائل شقيقه تجاوزت الجغرافيا. فخطاب “أبو عبيدة” لم يكن موجّهًا لغزة وحدها ولا لفلسطين فقط، بل للأمتين العربية والإسلامية، انطلاقًا من فهمه للصراع باعتباره معركة تمس العقيدة والقدس والمسجد الأقصى. كان يربط الدماء التي سالت في غزة بالدفاع عن مسرى النبي محمد ﷺ، ويأمل — كما يقول شقيقه — أن يكون التفاعل الشعبي والرسمي أوسع، لا سيما في خطاباته الأخيرة التي حملت نداءات مباشرة للعالم العربي والإسلامي.
فاجعة مزدوجة… وشهادة عائلة
في واحدة من أكثر لحظات الحديث إيلامًا، كشف أسيد أن شقيقه استُشهد برفقة زوجته وثلاثة من أبنائه في اليوم ذاته، فيما نجا ابنه الأكبر إبراهيم. تفاصيل الاستشهاد، بحسب ما قال، لا تزال لدى الجهات المختصة، لكن الرسالة التي أراد إيصالها واضحة: إن الثمن الذي دُفع لم يكن فرديًا، بل عائليًا، وهو ما يعكس طبيعة الاستهداف الذي طال البيوت كما طال القادة.
بين الرمز والإنسان
ما تكشفه هذه الشهادة ليس محاولة لتقديس صورة، بل لإعادة التوازن بين الرمز والإنسان. فـ“أبو عبيدة” الذي عرفه العالم بصوته المقنّع، كان في البيت أبًا ومعلّمًا، وفي قناعته قارئًا للقرآن، وفي مساره مناضلًا حمل خياره حتى النهاية. حياته، كما يرويها شقيقه، لم تكن مفصولة بين الخاص والعام؛ بل كانت خطًا واحدًا من الالتزام، ينتهي حيث يبدأ الإيمان بالفعل.
في المحصلة، تُعيد شهادة أسيد الكحلوت رسم ملامح رجل عاش حياة زاخرة بالنضال، لا باعتباره أيقونة خطابية فحسب، بل نموذجًا لإنسان اختار طريقًا قاسيًا، ومضى فيه بوعي كامل حتى الشهادة، تاركًا وراءه حكاية تختلط فيها الرمزية العسكرية بالإنسانية العميقة، ويظل صداها حاضرًا بقدر حضور صوته الذي عرفه العالم.
اقرأ أيضا : قيادي صومالي: اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» فقاعة… والإمارات تمزّق البلاد بالمشاريع الانفصالية