لم تعد الإمارات تلك الدولة التي يصفها محللون غربيون بـ«القوة الهادئة» أو «الوسيط البراغماتي» الذي يفضّل الاقتصاد على السياسة، والصفقات على الحروب. هذا الوصف انهار تمامًا مع انتقال أبوظبي من العمل في الظل إلى إدارة الصراع في العلن. فالمواجهة العسكرية غير المسبوقة مع السعودية في اليمن لم تكن حادثًا عابرًا، بل لحظة كاشفة لنهاية مرحلة كاملة وبداية أخرى أكثر عدوانية. الإمارات اليوم لم تعد لاعبًا خلف الكواليس، بل صارت بلدًا يصنع الخراب علنًا، ويدير النزاعات بوصفها أدوات نفوذ لا أزمات يجب حلها.

نهاية أسطورة «القوة الهادئة»

لسنوات، روّجت الإمارات لنفسها باعتبارها دولة «دبلوماسية صامتة» تعتمد على المال والاستثمار والشراكات الاقتصادية لتعظيم نفوذها. لكن الوقائع على الأرض، من اليمن إلى السودان وليبيا، نسفت هذا الادعاء. التدخل العسكري المباشر أو غير المباشر، ودعم الميليشيات، وتمزيق الدول من الداخل، كلّها سياسات لا تنتمي إلى «الهدوء» بقدر ما تنتمي إلى إدارة الفوضى. المواجهة مع السعودية كشفت أن أبوظبي مستعدة لحرق حتى تحالفاتها الكبرى إذا تعارضت مع مصالحها، وأن زمن الإنكار انتهى.

حرب أيديولوجية بلا سقف

الجامع المشترك بين كل تدخلات الإمارات ليس النفط ولا الموانئ فقط، بل هوس أيديولوجي واضح: محاربة أي شكل من أشكال الإسلام السياسي، وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين. هذا الهوس يفسّر تناقضات تبدو غير منطقية للوهلة الأولى، مثل دعم انفصاليين في اليمن ضد حليف سعودي، أو مساندة ميليشيا عسكرية في السودان متهمة بارتكاب جرائم إبادة، فقط لأنها تواجه جيشًا ترى أبوظبي أنه «مخترق إسلاميًا». في حسابات الإمارات، التحالفات مؤقتة، أما الحرب على الإسلام السياسي فهي دائمة، حتى لو كان ثمنها تدمير دول بأكملها.

الطلاق السعودي: شراكة مصالح لا رؤية

التحالف السعودي-الإماراتي لم يكن يومًا تحالفًا قائمًا على رؤية مشتركة، بل زواج مصلحة فرضته مخاوف مشتركة من إيران ومن تداعيات الربيع العربي. لكن سرعان ما ظهرت الفجوة. السعودية، رغم كل مآخذها، تميل إلى دعم كيانات الدولة الرسمية حفاظًا على الاستقرار، بينما تعتمد الإمارات استراتيجية التفكيك المُدار، عبر دعم فاعلين دون الدولة يمكن التحكم بهم. اليمن كان ساحة الانفجار: استثمار أبوظبي طويل الأمد في ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن «انحرافًا تكتيكيًا»، بل خطة لتأسيس كيان تابع على خاصرة السعودية. الضربة الجوية السعودية جاءت ردًا على خيانة استراتيجية، لا على سوء تفاهم.

كيف تحارب الإمارات دون أن تحارب؟

طوّرت أبوظبي نموذجًا خاصًا لحروب القرن الحادي والعشرين: الحروب المُفوَّضة بالكامل. تختار فاعلًا محليًا طموحًا، تزوده بالسلاح المتطور والطائرات المسيّرة والتمويل، وتمنحه غطاءً سياسيًا وإعلاميًا، ثم تتركه يخوض المعركة نيابة عنها. هكذا فعلت في ليبيا واليمن، ويُتهم بأنها تفعل في السودان. هذا الأسلوب يقلل الخسائر البشرية الإماراتية، لكنه يخلق وحوشًا منفلتة قد تجر المنطقة إلى كوارث إنسانية، كما حدث مع ميليشيات تحوّلت من أدوات نفوذ إلى قوى تدمير شامل.

انتصارات تكتيكية… وهزائم استراتيجية

النمط المتكرر في سياسات الإمارات هو تحقيق مكاسب قصيرة الأمد مقابل خسائر طويلة الأمد. في ليبيا، أطال دعمها العسكري أمد الحرب وفتح الباب لتدخلات إقليمية أوسع، ما كرّس الانقسام بدل الحسم. في السودان، الاتهامات بدعم قوى ارتكبت جرائم واسعة النطاق شوّهت صورة الإمارات عالميًا وربطت اسمها بأكبر كارثة إنسانية معاصرة. وفي اليمن، أدت مناورتها الذكية ظاهريًا إلى صدام مباشر مع السعودية. الإمارات تكسب جولة هنا أو هناك، لكنها تحرق رقعة الشطرنج بأكملها، بما في ذلك موقعها عليها.

تناقض التطبيع وغضب الشارع

اتفاقات التطبيع مع إسرائيل كانت، من منظور إماراتي، إنجازًا استراتيجيًا. لكن حرب غزة حوّلت هذا الإنجاز إلى عبء ثقيل. أبوظبي تجد نفسها عالقة بين شراكة أمنية واستخباراتية وثيقة مع إسرائيل، ومحاولات خطابية خجولة لامتصاص غضب الشارع العربي. هذا التناقض يقوّض مصداقيتها الإقليمية؛ فلا يمكن الجمع طويلًا بين دور «الزعيم البراغماتي» للعرب ودور الشريك الصامت لتل أبيب في منطقة لا تزال القضية الفلسطينية فيها جرحًا مفتوحًا.

إلى أين تمضي بلاد الخراب؟

السؤال الجوهري لم يعد ماذا تفعل الإمارات، بل إلى أين تقود هذه السياسات؟ هل تعتقد أبوظبي أنها قادرة على تفكيك اليمن والسودان وليبيا إلى كيانات صغيرة تابعة لها؟ وهل يمكنها الاستمرار في اللعب على كل الحبال دون أن تنقطع؟ الصدام مع السعودية يشي بأن حدود هذا الطموح بدأت تظهر. الإمارات صعدت لتصبح لاعبًا إقليميًا مؤثرًا عبر البراغماتية والقسوة، لكن اختبارها الحقيقي الآن هو ما إذا كانت ستدرك متى تتوقف. فشبكة الخراب التي نسجتها قد تنقلب عليها، وتغرقها في الفوضى التي ساهمت في صناعتها.

اقرأ أيضًا : اقتحامات ممنهجة وإبعاد قسري: إجرام الاحتلال والمستوطنين في الأقصى