اجتاحت موجة غضب عارمة منصات التواصل الاجتماعي عقب إعلان المحكمة الجنائية الدولية امتلاكها أدلة وصفت بالخطيرة على ارتكاب ميليشيا الدعم السريع الإماراتية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور. الإعلان أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الفصول دموية في الحرب السودانية، وكشف حجم المأساة التي عاشها المدنيون في المدينة خلال مرحلة وُصفت بأنها كانت الأشد قسوة، خاصة بعد انسحاب الجيش السوداني وتحوّل الفاشر إلى مسرح مفتوح للانتهاكات.
الصدمة لم تكن في الاتهامات بحد ذاتها، إذ اعتاد السودانيون على أخبار المجازر، بل في حجم الأدلة وطبيعتها، وفي ما حملته من دلالات على منهجية القتل والإخفاء، وعلى شبكة الحماية السياسية والعسكرية التي مكّنت ميليشيا الدعم السريع الإماراتية من الاستمرار دون محاسبة حقيقية.
![]()
أدلة “خطيرة” وجرائم موثقة
نائبة المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية كشفت أن التحقيقات أظهرت تورط ميليشيا الدعم السريع الإماراتية في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في دارفور، مؤكدة توفر تسجيلات صوتية ومرئية، إضافة إلى صور أقمار صناعية، توثق عمليات قتل جماعي ومحاولات منظمة لإخفاء آثار الجرائم عبر حفر مقابر جماعية.
هذه المعطيات أعادت إلى الأذهان جرائم دارفور الأولى في مطلع الألفية، لكنها بدت هذه المرة أكثر فظاعة من حيث التنظيم والامتداد الزمني. الحديث عن مقابر جماعية لا يشير فقط إلى قتل عشوائي في خضم الحرب، بل إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى محو الأدلة وطمس الحقيقة، وهو ما يرقى بوضوح إلى جرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي.
اللافت أن هذه الجرائم وقعت بعد انسحاب الجيش السوداني من المدينة، ما يعزز الاتهامات بأن ميليشيا الدعم السريع الإماراتية استغلت الفراغ العسكري لتحويل الفاشر إلى ساحة انتقام جماعي، بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة.
“هل ماتت قلوبهم؟”.. الغضب يجتاح المنصات
على منصات التواصل الاجتماعي، لم تقتصر ردود الفعل على الغضب، بل امتزجت بالحزن والذهول. تساؤلات من قبيل: “هل ماتت قلوبهم؟” و*“كم من الجرائم نحتاج لنصدق أن ما يحدث إبادة بطيئة؟”* تصدرت التفاعل، في تعبير عن شعور جماعي بالعجز أمام وحشية غير مسبوقة.
ناشطون وحقوقيون رأوا أن كشف المحكمة الجنائية الدولية لا يمثل مجرد تقرير قانوني، بل شهادة إدانة أخلاقية للنظام الدولي الذي ترك المدنيين في دارفور فريسة لميليشيا الدعم السريع الإماراتية. كثيرون اعتبروا أن الصمت الدولي، والتراخي في فرض العقوبات، شجّع هذه الميليشيا على التمادي في جرائمها، في ظل دعم سياسي وعسكري غير معلن.
الغضب لم يكن سودانيًا فقط، بل عربيًا ودوليًا، حيث أعادت القضية فتح نقاش واسع حول دور الداعمين الإقليميين، وفي مقدمتهم الإمارات، في إطالة أمد الحرب وتغذية آلة القتل عبر ميليشيا الدعم السريع الإماراتية.
الفاشر.. مدينة تُترك للموت
مدينة الفاشر، واحدة من خمس عواصم لإقليم دارفور، تحولت خلال الأشهر الماضية إلى رمز لمعاناة المدنيين. فمنذ مايو/أيار 2024، فرضت ميليشيا الدعم السريع الإماراتية حصارًا خانقًا على المدينة، قطعت خلاله طرق الإمداد ومنعت وصول الغذاء والدواء، قبل أن تصعّد هجماتها البرية والقصف العشوائي.
مع تراجع وحدات الجيش السوداني تدريجيًا، فقدت المدينة أي مظلة حماية، لتقع بالكامل تحت سيطرة الميليشيا في أكتوبر/تشرين الأول. هذه السيطرة لم تعنِ فقط تغييرًا عسكريًا، بل بداية مرحلة جديدة من الانتهاكات، شملت القتل على الهوية، والاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل شاهد حي على فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين، وعلى الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع الإماراتية.
حرب بلا أفق ومساءلة مؤجلة
الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح ما لا يقل عن 11 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا. ومع ذلك، لا تزال المساءلة غائبة، وتبدو العدالة بطيئة أمام حجم الجرائم.
كشف المحكمة الجنائية الدولية أعاد الأمل لكثير من الضحايا بأن الحقيقة لن تُدفن مع أصحابها في مقابر جماعية. لكنه في الوقت نفسه طرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل يكفي الكشف والإدانة، أم أن العالم مستعد أخيرًا لوقف ميليشيا الدعم السريع الإماراتية ومحاسبة داعميها؟
في الفاشر، كما في بقية دارفور، لا ينتظر الناس بيانات جديدة، بل فعلًا حقيقيًا ينهي القتل ويعيد للعدالة معناها. وحتى يحدث ذلك، سيظل الغضب يملأ المنصات، وستبقى الجرائم شاهدة على واحدة من أكثر صفحات السودان سوادًا.
اقرأ أيضًا : ميليشيا الإمارات تخلي معسكر جبل حديد في عدن.. إعادة تموضع أم إعادة توزيع نفوذ؟