من منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، اعترف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بخسارة مصر نحو 9 مليارات دولار من العوائد المباشرة لقناة السويس، نتيجة الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة. رقمٌ بدا للوهلة الأولى توصيفًا محاسبيًا لتداعيات إقليمية، لكنه في الواقع كشف عمق هشاشة نموذج اقتصادي رُبط لسنوات بمصدر واحد شديد الحساسية للصدمات الجيوسياسية، هو قناة السويس.

اعتراف السيسي لم يكن مجرد عرض لخسارة طارئة، بل إقرار ضمني بأن الاقتصاد المصري بات رهينة اضطرابات الإقليم، وأن أي توتر في البحر الأحمر أو شرق المتوسط ينعكس فورًا على شريان الإيرادات الأهم للدولة. فالحرب في غزة أعادت توجيه خطوط الملاحة، ورفعت كلفة التأمين، ودَفعت شركات عالمية إلى تجنب المرور، ما عرّى اعتماد القاهرة المفرط على القناة دون بناء بدائل إنتاجية حقيقية.

خطاب الإصلاح.. وواقع الاقتصاد المنهك

في كلمته، شدد السيسي على استمرار “الإصلاح الاقتصادي” وتعزيز دور القطاع الخاص، رغم التحديات. غير أن هذا الخطاب بات مكررًا منذ سنوات، فيما المؤشرات الاجتماعية والمالية تسير في اتجاه معاكس: تضخم مرتفع، عملة منهكة، ديون خارجية متراكمة، وتآكل القدرة الشرائية. فالإصلاح الذي يُطرح في المؤتمرات الدولية لا يجد ترجمة على الأرض، حيث يظل الاقتصاد مكبّلًا بسيطرة مؤسسات الدولة والجيش، وتضييق المجال أمام المنافسة، وتآكل ثقة المستثمرين المحليين قبل الأجانب.

الأزمة التي فجرتها حرب غزة لم تُنشئ المشكلة، بل كشفتها. فالاقتصاد الذي لا يحتمل صدمة إقليمية واحدة هو اقتصاد بلا وسائد أمان. ومع ذلك، يصر النظام على تقديم الخسائر باعتبارها “قدرًا جغرافيًا” لا مسؤولية سياسية، متجاهلًا أن تنويع مصادر الدخل وبناء قاعدة إنتاجية كانا خيارًا ممكنًا لم يُتخذ.

فلسطين في الخطاب.. والواقع خارج الحساب

ربط السيسي الاستقرار الإقليمي بالسلام في فلسطين، ودعا إلى تثبيت وقف إطلاق النار والبناء على “مكتسبات قمة شرم الشيخ”. هذا الخطاب يمنح القاهرة دورًا أخلاقيًا وسياسيًا، لكنه يصطدم بسؤال مركزي: ماذا قدمت السياسات المصرية فعليًا لتجنيب البلاد هذه الخسائر؟ وهل كان دعم الاستقرار يعني الاكتفاء بإدارة الأزمة أم الاستثمار في تغيير قواعدها؟

الحديث عن “حل عادل وشامل” ظل عامًا، فيما الكلفة الاقتصادية المباشرة تقع على المواطن المصري، الذي يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها، وسياسات لم تحمِ اقتصاده من ارتداداتها.

عدم التدخل.. وتناقض الأدوار الإقليمية

أكد السيسي التزام مصر بمبدأ عدم التدخل، مع تعداد أدوار في ليبيا والسودان وسوريا ولبنان والصومال. هذا التناقض بين الشعار والممارسة يعكس سياسة خارجية تحاول الجمع بين أدوار متعارضة دون استراتيجية واضحة. فالتدخلات، حتى إن صيغت بخطاب “الدعم”، تحمل كلفة سياسية واقتصادية، وتُدخل مصر في حسابات إقليمية تزيد هشاشة وضعها بدل تحصينه.

لبنان “يسير في طريق سليم”؟

تصريحات السيسي بشأن لبنان، وأن “الأمور تسير في طريق سليم”، بدت منفصلة عن واقع الانهيار الاقتصادي والسياسي هناك. هذا التبسيط يعكس نزعة لتهوين الأزمات الإقليمية، وكأن الاستقرار يُقاس بالنوايا لا بالمؤشرات. وهو النهج ذاته الذي طُبّق داخليًا في مصر، حيث أُعلن الاستقرار فيما كانت أسس الاقتصاد تتآكل.

فشل داخلي يُراد تحميله لغزة

في الخلاصة، لم تكن حرب غزة سوى المرآة التي عكست فشلًا متراكمًا في إدارة الاقتصاد المصري. محاولة إلحاق هذا الفشل بالحرب، وتقديمها كسبب وحيد لخسارة 9 مليارات دولار، تتجاهل أن السياسات القائمة هي التي جعلت مصر بلا شبكة أمان. فالدول التي بنت اقتصادات متنوعة امتصّت الصدمات، بينما الدولة التي راهنت على الريع والاقتراض وجدت نفسها أول الضحايا.

من دافوس، كشف السيسي الرقم. لكن الرقم الأكبر هو كلفة سنوات من الخيارات الخاطئة، التي يريد النظام اليوم تعليقها على شماعة غزة، بدل مواجهة الحقيقة: الأزمة مصرية قبل أن تكون إقليمية، والفشل داخلي قبل أن يُصدَّر إلى الخارج.

اقرأ أيضا : ترامب في دافوس.. بلطجة سياسية بلغة الاقتصاد