في تصعيد سياسي وأمني لافت، أطلق وزير الدفاع في جمهورية الصومال الفدرالية أحمد معلم فقي مواقف شديدة الوضوح، أكد فيها أن بلاده لن تقبل بأي شكل من الأشكال المساس بسيادتها الوطنية، معلنًا إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات المتحدة على خلفية ما وصفه بـ«خروقات تمس السيادة الصومالية». وجاءت هذه التصريحات في لحظة إقليمية حساسة، حيث تتقاطع على الساحة الصومالية حسابات إقليمية ودولية، وتتصاعد فيها رهانات النفوذ العسكري والسياسي.

إسرائيل والاختبار الأخطر للسيادة
لم يكتفِ الوزير الصومالي بتحميل الإمارات مسؤولية تغذية اختلالات داخلية، بل وسّع دائرة الاتهام لتشمل إسرائيل، معتبرًا أن محاولاتها استغلال الموقع الإستراتيجي للصومال تمثل انتهاكًا مباشرًا للسيادة. وأشار بوضوح إلى رفض مقديشو أي سيناريوهات تتعلق بالاعتراف بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي أو توظيفه في مشاريع إقليمية، بما في ذلك أفكار نقل فلسطينيين إليه، مؤكدًا أن هذه الطروحات تتناقض مع القيم الصومالية والثوابت الوطنية، وتهدد بتفجير صراعات داخلية جديدة.
الإمارات ودور «الدعم المُسيّس»
تُعدّ لهجة الوزير تجاه أبوظبي الأشد منذ سنوات. فبينما أقرّ بوجود دعم إماراتي سابق للجيش الصومالي، شدد على أن هذا الدعم توقف منذ قرابة عامين، وأن جزءًا منه لم يكن يمر عبر القنوات الرسمية، بل وُجّه في فترات معينة إلى مجموعات مسلحة محلية داخل بعض الولايات، في مسعى لإضعاف السلطة المركزية وتقويض الدولة من الداخل. هنا، لم يكتفِ الخطاب الرسمي الصومالي بتوصيف الخلاف، بل قدّم سردية سياسية تعتبر أن الإمارات أسهمت في تغذية الانقسامات في الصومال والمنطقة عمومًا، عبر مقاربة أمنية انتقائية تُنتج هشاشة بدل الاستقرار.
القواعد العسكرية… من «التعاون» إلى السيادة الكاملة
في قلب الخلاف تقف مسألة القواعد العسكرية. إذ شدد معلم فقي على أن أي وجود عسكري أجنبي يجب أن يخضع للإشراف الكامل للحكومة الصومالية، وأن القواعد القائمة كانت في الأصل تابعة لوزارة الدفاع الصومالية ومُنحت لأغراض مؤقتة. ومع توقف الدعم وتحوله – بحسب وصفه – إلى عامل تقويض، اتخذت الدولة قرار استعادة إدارة هذه القواعد، لسد أي فراغ أمني محتمل، وترسيخ مبدأ القرار السيادي المستقل.
لماذا الصومال؟ الجغرافيا التي تُغري الجميع
يعيد هذا الجدل تسليط الضوء على السبب الحقيقي للتدافع الدولي نحو الصومال: الجغرافيا. فالدولة الواقعة في شرق أفريقيا تمتلك أطول ساحل في القارة، وتطل على خليج عدن المؤدي إلى مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية. هذا الموقع يمنح من يملك النفوذ فيه قدرة مؤثرة على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، فضلًا عن أطماع كامنة في ثروات نفطية ومعدنية وسمكية لم تُستثمر بعد على نحو كامل.
الشراكات «المنضبطة»… تركيا ومصر نموذجًا
في مقابل القطيعة مع أبوظبي، حرص وزير الدفاع على إبراز نماذج يعتبرها إيجابية. فوجود تركيا يقتصر على التدريب العسكري في إطار اتفاقيات واضحة، أسهمت – بحسبه – في بناء قوات وطنية فاعلة. كما أشار إلى الدور المرتقب لـ مصر ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي، مؤكدًا أن مهامها تخضع لتفويض محدد وتعمل تحت المظلة السيادية الصومالية، بما يعكس رؤية جديدة للشراكات تقوم على الاحترام المتبادل لا الوصاية.
أرض الصومال… خط أحمر دستوري
في ملف «أرض الصومال»، كان الموقف الصومالي حاسمًا: الإقليم جزء لا يتجزأ من الدولة، وأي اتفاقيات يبرمها منفردًا تُعد خرقًا للدستور والقانون الدولي. وحذّر الوزير من أن الاعتراف بالإقليم لن يكون خطوة «تقنية»، بل قنبلة سياسية تهدد وحدة البلاد واستقرار القرن الأفريقي بأكمله.
إعادة تعريف الشراكة والسيادة
في المحصلة، تكشف تصريحات وزير الدفاع الصومالي عن تحوّل إستراتيجي في رؤية مقديشو لعلاقاتها العسكرية الخارجية. فالصومال، الذي عانى طويلًا من التدخلات وتعدد الوصايات، يسعى اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم الشراكة: تعاون مرحّب به، لكن تحت سقف السيادة، واحترام القرار الوطني، ورفض أي دور يغذي الانقسامات أو يحوّل الدعم إلى أداة نفوذ. إنها رسالة مباشرة للإمارات وإسرائيل وسائر الفاعلين: زمن العمل في الظل انتهى، والسيادة الصومالية لم تعد بندًا قابلًا للتفاوض.
اقرأ أيضًا : إصابة خمسة فلسطينيين في الخليل.. الاحتلال يوسّع دائرة الإجرام تحت غطاء الحصار