جدّد جيش الاحتلال الإسرائيلي، إجرامه بحق الفلسطينيين عبر شن غارات جوية عنيفة وقصف مدفعي مكثف استهدف مناطق متفرقة من قطاع غزة، في مشهد يعكس إصرار الاحتلال على تكريس منطق القوة والإبادة، حتى في الفترات التي يُفترض أنها تشهد تهدئة أو وقفًا لإطلاق النار. القصف تركز على المناطق الشرقية من مدينة غزة، وشرقي مخيم البريج وسط القطاع، وشرقي مدينة خان يونس جنوبًا، ضمن مناطق لا يزال الاحتلال يفرض سيطرته العسكرية عليها.
![]()
غارات متزامنة وقصف أرضي يزرع الرعب
وبحسب إفادات شهود عيان، نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية عدة غارات متزامنة، لا سيما على شرقي خان يونس، بالتوازي مع قصف مدفعي كثيف وإطلاق نار متقطع من الآليات العسكرية المتمركزة على أطراف المدينة. المشهد ذاته تكرر شرقي مخيم البريج، حيث استهدفت الغارات مناطق سكنية وأراضي محيطة، في ظل تحليق مكثف للطيران الحربي، ما أدى إلى حالة من الهلع في صفوف السكان الذين يعيشون أصلًا أوضاعًا إنسانية شديدة القسوة.
أحياء مدينة غزة تحت النار
وفي مدينة غزة، تعرض حيا الزيتون والشجاعية لقصف جوي ومدفعي عنيف، ترافقت معه أصوات انفجارات متتالية هزّت أرجاء المنطقة. وحتى ساعات الصباح الأولى، لم تتضح طبيعة الأهداف التي ادعى الاحتلال استهدافها، وهو نمط بات مألوفًا في العمليات العسكرية الإسرائيلية التي غالبًا ما تُنفّذ دون تمييز، وتطاول أحياءً سكنية مكتظة بالسكان، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني.
احتلال ميداني يتوسع بالقوة
ويأتي هذا التصعيد في سياق استمرار سيطرة جيش الاحتلال على الشريطين الجنوبي والشرقي من القطاع، إضافة إلى أجزاء واسعة من شمال غزة، حيث يواصل فرض احتلال فعلي على أكثر من 50% من مساحة القطاع. هذا الواقع الميداني يؤكد أن الغارات والقصف ليسا مجرد عمليات عسكرية “محدودة”، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا بالقوة، وفرض وقائع جديدة على الأرض على حساب المدنيين.
حصيلة إبادة غير مسبوقة
منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل قطاع غزة مرحلة غير مسبوقة من الإبادة الجماعية، استمرت لعامين كاملين، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد، وما يزيد على 171 ألف جريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء. كما طال الدمار نحو 90% من البنى التحتية المدنية، بما في ذلك المنازل، والمستشفيات، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء، في محاولة واضحة لتحويل غزة إلى منطقة غير صالحة للحياة.
ما بعد وقف النار… القتل مستمر
ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، لم يتوقف نزيف الدم الفلسطيني. فمنذ ذلك التاريخ، قتل الاحتلال 483 فلسطينيًا، وأصاب 1287 آخرين، في خروقات متكررة تؤكد أن “التهدئة” لم تكن سوى غطاء لإدارة العدوان بأساليب مختلفة. إلى جانب ذلك، شدّد الاحتلال قيوده على إدخال الغذاء ومواد الإيواء والمستلزمات الطبية، ما فاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق.
غزة بين القصف والحصار
اليوم، يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة تحت وطأة أوضاع مأساوية، تجمع بين القصف المستمر والحصار الخانق وانعدام مقومات الحياة الأساسية. فالقذائف لا تتوقف، والمساعدات شحيحة، والمستقبل يبدو معلقًا على قرارات قوة احتلال لا تُبدي أي اكتراث بحياة المدنيين أو بالمواثيق الدولية.
إجرام بلا محاسبة
ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن سياسة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها الاحتلال الإسرائيلي، في ظل صمت دولي مريب، وعجز واضح عن فرض أي آليات مساءلة حقيقية. ومع كل غارة جديدة، يتكرس واقع مفاده أن المدنيين الفلسطينيين يدفعون الثمن الأكبر، بينما يستمر الاحتلال في اختبار حدود الإجرام الممكن دون رادع.
في المحصلة، تعكس الغارات الأخيرة حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العدوان، تؤكد أن الاحتلال لا يرى في غزة سوى ساحة مفتوحة للقوة، وأن الحديث عن تهدئة أو سلام يظل بلا معنى ما دام القصف والحصار والاحتلال هي العناوين الثابتة للمشهد.
اقرأ أيضًا : إسرائيل تواصل إجرامها ضد اللاجئين: حرب مفتوحة على الأونروا في القدس