قرار إداري أم رسالة سياسية؟
أثار قرار السلطات البريطانية إلغاء تأشيرة الطالب المصري أسامة غانم، الدارس في King’s College London، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية، ليس فقط بسبب تبعاته القانونية والإنسانية، بل لما يحمله من دلالات سياسية عميقة تتجاوز حالة فردية إلى نمط أوسع من التضييق على الأصوات المؤيدة لفلسطين داخل الجامعات الغربية. فالقرار الذي يضع غانم أمام خطر الترحيل، جاء في سياق احتجاجات طلابية سلمية شهدتها جامعات بريطانية تنديدًا بالحرب على غزة، ما يطرح تساؤلات حول حدود حرية التعبير حين تتقاطع مع “الخطوط الحمراء” السياسية.

من الحرم الجامعي إلى وزارة الداخلية
وفق تقرير لشبكة CNN، بدأت القضية عندما علّقت الجامعة تسجيل غانم في مايو/أيار الماضي، متهمة إياه بمخالفات “غير أكاديمية” شملت “انتهاكات تنظيمية وإجرائية” و“سلوكًا مسيئًا” و“تعطيل العمليات”. ورغم أن هذه الاتهامات لم تُترجم إلى أي إجراء جنائي، فإنها مهّدت الطريق لتدخل UK Home Office، التي أبلغت الطالب سرًا في 28 نوفمبر/تشرين الثاني بإلغاء تأشيرته، مع منحه مهلة 60 يومًا للمغادرة.
هذا التسلسل يكشف آلية مقلقة: قرار تأديبي جامعي يتحول سريعًا إلى عقوبة سيادية تمس حق الإقامة، من دون محاكمة أو إدانة. وهو ما يعكس تشابكًا متزايدًا بين الإدارة الجامعية وأجهزة الدولة، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا سياسية حساسة كالقضية الفلسطينية.
حرية التعبير… حين تصبح انتقائية
تؤكد إدارة كينغز كوليدج لندن أن طلابها “لا يُعاقبون بسبب انتماءات قانونية، بما في ذلك دعم القضية الفلسطينية”، لكن حالة غانم تضع هذا الادعاء موضع اختبار حقيقي. فالطالب يؤكد أن مشاركته في الاحتجاجات كانت سلمية، وأنه لم يتلقَّ أي تحذير مسبق بإمكانية تعليق دراسته أو إلغاء تأشيرته. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية يعيد طرح سؤال قديم جديد: هل حرية التعبير في بريطانيا مطلقة، أم مشروطة بالسقف السياسي المقبول؟
الخوف من الترحيل… والعودة إلى القمع
لا تتوقف خطورة القرار عند حدود فقدان الدراسة، بل تمتد إلى المخاطر التي قد يواجهها غانم في حال ترحيله إلى مصر. فالطالب تحدث عن سجل سابق من الاضطهاد السياسي، شمل اعتقاله مع شقيقه ووالده عام 2020، وتعرضه للتعذيب وسوء المعاملة. في هذا السياق، يصبح قرار الترحيل أقرب إلى تجاهل متعمد لمبدأ “عدم الإعادة القسرية”، أحد ركائز القانون الدولي لحقوق الإنسان، والذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب أو الاضطهاد.
دعم أكاديمي واتهامات بالتمييز
حظي غانم بدعم واسع من داخل الجامعة، حيث وقّع أكثر من 40 أستاذًا من شبكة أبحاث العرق خطابًا اتهموا فيه الإدارة بـ“التمييز المؤسسي”، وطالبوا بإلغاء قرار الترحيل. هذا الدعم يعكس انقسامًا داخل المؤسسة الأكاديمية نفسها بين إدارة تسعى لضبط الحرم الجامعي وفق اعتبارات سياسية وأمنية، وأكاديميين يرون أن الجامعة يجب أن تبقى فضاءً للنقاش الحر، لا أداة لإسكات الأصوات المزعجة.
بريطانيا والقمع الناعم
تكشف هذه القضية عن شكل جديد من القمع يمكن وصفه بـ“القمع الناعم”: لا اعتقال مباشر، ولا محاكمة علنية، بل قرارات إدارية تُستخدم لإقصاء الأفراد وتجريدهم من حقوقهم الأساسية. وهو نمط بات يتكرر في دول غربية ترفع راية الليبرالية، لكنها تضيق ذرعًا بالاحتجاج حين يمس حلفاءها أو سياساتها الخارجية. في هذا السياق، تبدو بريطانيا وكأنها تنقل أدوات السيطرة من الشارع إلى البيروقراطية، ومن الهراوة إلى ختم التأشيرة.
بين الاستبداد القديم والجديد
في عبارته اللافتة، قال غانم: “تركت نظامًا استبداديًا في مصر لأجد نوعًا من الاستبداد في جامعة كينغز كوليدج لندن”. هذه المقارنة، رغم قسوتها، تعكس شعورًا متناميًا لدى كثير من النشطاء بأن الفارق بين القمع الصريح في الأنظمة السلطوية، والقمع المقنّع في الديمقراطيات الغربية، بات أضيق مما يُروَّج له. فحين تُعاقَب فلسطينيو التضامن، يصبح السؤال ليس فقط عن مصير طالب واحد، بل عن مستقبل حرية التعبير نفسها في قلب أوروبا.
اقرأ أيضًا :مناهضو التطبيع بالمغرب يدينون رفع علم الاحتلال: نتائج خيانة التطبيع الملكي تظهر على الحدود مع الجزائر