كشف تقرير لموقع Middle East Eye أن تدفّق السلاح والدعم العسكري إلى ميليشيا الدعم السريع في السودان ما زال مستمرًا عبر شرق ليبيا الخاضع لسيطرة خليفة حفتر، رغم ضغوط مصرية وسعودية متزايدة لوقف تسهيل الشحنات الإماراتية. ووفق التقرير، فإن القاهرة والرياض حذّرتا من أن استمرار هذا المسار قد يفضي إلى تحوّل خطير في علاقتهما مع حفتر، لكن الوقائع الميدانية تُظهر أن خطوط الإمداد لم تُغلق.

استدعاء صدام حفتر… تحذير أم مساومة؟
ضمن هذا السياق، استُدعي صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب قائد قواته في الشرق، إلى القاهرة مطلع الشهر الجاري. ورغم توصيف الزيارة إعلاميًا باعتبارها “تعاونًا عسكريًا روتينيًا”، تؤكد مصادر مطلعة أنها حملت تحذيرًا مباشرًا بوقف دعم ميليشيا الدعم السريع فورًا. وتشير المعلومات إلى أن صدام يتعرض في الوقت ذاته لضغوط إماراتية معاكسة للاستمرار في تسهيل الشحنات، ما يضعه بين شدٍّ وجذبٍ إقليميين، بينما يتواصل تدفّق السلاح على الأرض.
أدلة استخباراتية ومسارات تهريب
بحسب مصادر ليبية ومصرية، قدّمت القاهرة أدلة استخباراتية تُظهر انتقال شحنات أسلحة وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي من أبوظبي إلى مناطق سيطرة حفتر، ومنها إلى ميليشيا الدعم السريع، إضافة إلى شحنات وقود ليبية من مصفاة السرير باتجاه دارفور. كما رصدت الأجهزة الأمنية وصول مرتزقة من كولومبيا وفنزويلا إلى ليبيا ثم نقلهم إلى السودان للانضمام إلى الميليشيا. وتؤكد المصادر أن هذا الدعم كان حاسمًا في التقدّم العسكري الأخير للدعم السريع، لا سيما في دارفور.
الفاشر نموذجًا: حصار وسقوط
يشير التقرير إلى أن خطوط الإمداد العابرة لليبيا، التي نشّطتها ميليشيا الدعم السريع منذ يونيو/حزيران، لعبت دورًا مباشرًا في السيطرة على الفاشر بعد حصار دام أكثر من 550 يومًا. هذا التقدّم لم يكن مجرد مناورة عسكرية، بل ترجمة عملية لدعم خارجي كثيف مكّن الميليشيا من فرض وقائع جديدة بالقوة، وسط كلفة إنسانية جسيمة وجرائم موثّقة بحق المدنيين، من قتلٍ وتهجيرٍ قسري ونهبٍ منظم.
عرض بديل… ومخاوف التقسيم
تفيد مصادر عسكرية بأن القاهرة والرياض عرضتا على صدام حفتر تعاونًا ودعمًا ماليًا وعسكريًا بديلًا عن الإمارات، في محاولة لفكّ الارتباط مع مسار التسليح المثير للجدل. وتزامن ذلك مع صفقة أسلحة سعودية–باكستانية كبيرة يُتوقع أن يُعاد توزيعها بين قوات حفتر والجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.
لكن الأخطر، وفق تبادل معلومات استخباراتية مع صدام، هو حديث عن خطط إماراتية لتفكيك مناطق السيطرة: في السودان عبر تمكين الميليشيا من دارفور وكردفان، وفي ليبيا عبر تقسيم مناطق النفوذ بين طرابلس وبنغازي مع فصل الجفرة وسرت، بما يكرّس الفوضى ويعيد رسم الخرائط بالقوة.
الإمارات والميليشيا: سجلّ من الجرائم
لا يمكن فصل هذا الدعم عن سجلّ ميليشيا الدعم السريع الحافل بالانتهاكات: مجازر جماعية، تطهير عرقي، عنف جنسي، حصار المدن وتجويعها، ونهب المساعدات. إن استمرار التسليح رغم هذا السجل يرقى إلى تواطؤ مباشر في جرائم حرب، ويعكس نمطًا معروفًا في توظيف الميليشيات كأدوات نفوذ خارج إطار الدول. هذا النهج، الذي دافعت عنه أبوظبي تحت عناوين “الاستقرار” و“مكافحة الإرهاب”، أثبت عمليًا أنه يُنتج العكس: فوضى ممتدة، وحدود سائبة، وتهديدًا للأمن الإقليمي.
صراع محاور وحدود مفتوحة
يخلص محللون إلى أن دعم الإمارات للميليشيا كان جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل السودان وليبيا وتعزيز النفوذ في القرن الأفريقي والساحل. غير أن هذه الطموحات اصطدمت بالمصالح السعودية والمصرية، اللتين تنظران إلى صعود الميليشيا كتهديد مباشر للاستقرار، وكتحدٍّ لمحاور نفوذ قائمة في اليمن والبحر الأحمر.
الرسالة التي تحملها التطورات الأخيرة واضحة: إغلاق خطوط التسليح هو اختبار الإرادة الحقيقي. فإما كبح الميليشيات وتجفيف منابعها، أو القبول بانزلاق المنطقة إلى جولات أعمق من العنف والتقسيم. وفي الحالتين، يبقى المدنيون في السودان أول الضحايا.
اقرأ أيضًا : القاتل يترحم على القتيل.. السيسي يترحّم على مرسي