في مشهد يعيد إلى الأذهان واحدة من أخطر أزمات الخليج الحديث، بدأت شركات كبرى في كلٍّ من الإمارات والسعودية إعداد خطط طوارئ تحسّبًا لاحتمال تدهور العلاقات التجارية بين البلدين، رغم غياب أي قرارات دبلوماسية أو تجارية رسمية حتى اللحظة. التطورات التي كشف عنها تقرير لموقع “بلومبيرج” لا تبدو، في نظر مراقبين، مجرد إجراءات احترازية روتينية، بقدر ما تعكس توترًا مكتومًا وصراع نفوذ متجددًا بين حليفين لطالما قدّما نفسيهما كجبهة واحدة في الإقليم.

ذاكرة الحصار تعود من جديد
استدعاء تجربة حصار قطر عام 2017 لم يأتِ من فراغ. فذلك الحدث شكّل صدمة عميقة في بنية مجلس التعاون الخليجي، وأثبت أن القرارات السياسية المفاجئة قادرة على شلّ حركة التجارة، وتعطيل سلاسل الإمداد، وإغراق الشركات في خسائر فادحة خلال أيام قليلة. حينها، وجدت شركات خليجية نفسها أمام حدود مغلقة، وأجواء محظورة، وعقود متوقفة، دون سابق إنذار.
اليوم، ومع أن المشهد مختلف ظاهريًا، إلا أن الذهنية ذاتها – ذهنية الصدمات المدروسة – ما تزال حاضرة. فالتخطيط المسبق لاحتمال القطيعة يعكس فقدان الثقة، ويشير إلى أن الخلافات السياسية، مهما جرى إنكارها إعلاميًا، باتت تؤثر في حسابات رجال الأعمال والمستثمرين.
صراع نفوذ لا شراكة استراتيجية
خلف الكواليس، يرى محللون أن ما يجري هو انعكاس مباشر لصراع نفوذ اقتصادي وسياسي بين أبوظبي والرياض، أكثر منه خلافًا عابرًا. فخلال السنوات الأخيرة، دخل البلدان في منافسة حادة على جذب الاستثمارات الأجنبية، واستقطاب الشركات متعددة الجنسيات، والتحول إلى مراكز مالية وتجارية إقليمية.
قرارات السعودية بإلزام الشركات الأجنبية بنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض، وتقليص الامتيازات الممنوحة للشركات التي تتخذ من دبي مقرًا لها، شكّلت نقطة تحوّل في العلاقة الاقتصادية بين البلدين. هذه الخطوات لم تُقابل بردّ رسمي مباشر من الإمارات، لكنها أطلقت سباقًا صامتًا اتخذ أشكالًا أكثر حدّة مع الوقت.
الشركات تدفع ثمن السياسة
المفارقة أن الشركات – لا الحكومات – هي أول من يدفع ثمن هذا “الصراع غير المعلن”. فالتقارير تشير إلى أن شركات في قطاعات حيوية مثل الخدمات اللوجستية، والطاقة، والمواد الغذائية، بدأت إعادة تقييم سلاسل التوريد، والبحث عن بدائل للأسواق والموانئ، تحسّبًا لأي قرار مفاجئ.
هذا السلوك يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاستقرار السياسي في الخليج لم يعد مضمونًا كما كان يُسوَّق له، وأن التحالفات القائمة على المصالح الآنية يمكن أن تنقلب بسرعة إلى مواجهات اقتصادية قاسية. وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري: هل تحوّل الخليج من فضاء تكاملي إلى ساحة تنافس صفري؟
دروس قطر… من تجاهلها؟
أزمة حصار قطر كشفت آنذاك أن استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي قد ينقلب على مستخدميه. فبينما تمكنت الدوحة من إعادة تشكيل اقتصادها، وفتح مسارات تجارية جديدة، تكبّدت دول الحصار خسائر استراتيجية، وتضررت صورتها الاستثمارية عالميًا.
اليوم، يبدو أن تلك الدروس لم تُستوعب بالكامل. فبدلًا من تعزيز التكامل الخليجي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، تعود سياسات الابتزاز والضغط المتبادل، لكن هذه المرة تحت عناوين “إصلاح اقتصادي” و”إعادة تموضع استراتيجي”.
صراع قوى الشر… إلى أين؟
وصف المشهد بـ”صراع قوى الشر” ليس توصيفًا إنشائيًا بقدر ما هو تعبير عن طبيعة السياسات القائمة على الإقصاء، وتصفية الحسابات، واستخدام الشعوب والاقتصادات كأدوات في معارك النفوذ. فحين تتحول القرارات السيادية إلى تهديد مباشر لأرزاق الناس، وحين تُدار الخلافات خلف ستار الصمت بدل الحوار، فإن النتيجة الحتمية هي مزيد من الهشاشة وعدم اليقين.
في المحصلة، قد لا تقع القطيعة التجارية بين السعودية والإمارات، وقد تبقى الخلافات في إطارها المكتوم. لكن مجرد استعداد الشركات لأسوأ السيناريوهات يكشف أن الثقة قد تصدّعت، وأن شبح حصار قطر 2017 ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على الخليج. والسؤال المفتوح اليوم: هل يتعلم صناع القرار من الماضي، أم يصرّون على إعادة إنتاج الأزمات بأدوات جديدة؟
اقرأ أيضا : جيش الاحتلال يعلن العثور على آخر جثة إسرائيلية في غزة.. التزام من المقاومة ومماطلة من الاحتلال