في خطوة تعكس تعقيدات الصراع داخل مراكز القرار في واشنطن، دعا السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام المملكة العربية السعودية إلى وقف ما وصفه بـ«هجومها على دولة الإمارات العربية المتحدة»، في لهجة تحمل أكثر من رسالة سياسية موجهة للرياض، وتكشف في الوقت نفسه عن حجم الاصطفافات داخل المؤسسة الأمريكية بين حلفاء إقليميين متنافسين. 

غراهام، المعروف بقربه من الدوائر المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، لم يكتف بانتقاد السعودية، بل ربط موقفه بملفات إقليمية حساسة، أبرزها شمال شرق سوريا ودور «قسد»، في محاولة لتقديم نفسه حاميًا للاستقرار و«الأخلاق الاستراتيجية» الأمريكية.

سوريا و«قسد» كورقة ضغط

في منشور على منصة «إكس»، طالب غراهام السعودية باستخدام نفوذها على الحكومة السورية لمنع ما وصفه بانزلاق المنطقة نحو الفوضى، منتقدًا صمت الرياض على حملة دمشق ضد الوحدات الكردية المسلحة. ولم يكن هذا الربط بريئًا؛ إذ أعلن السيناتور عزمه تقديم تشريع يفرض عقوبات على أي جهة تستهدف «قوات سوريا الديمقراطية»، معتبرًا أن التخلي عن الأكراد «كارثة على سمعة الولايات المتحدة ومصالحها الأمنية»، ومذكّرًا بدورهم في محاربة تنظيم الدولة. بهذه اللغة، يحاول غراهام تثبيت معادلة ضغط مزدوجة: حماية «قسد» من جهة، وتحميل السعودية مسؤولية أي تصعيد من جهة أخرى.

ترامب وواجهة الاستقرار

غراهام حرص على إظهار انسجامه مع البيت الأبيض، مؤكدًا أنه ناقش الملف مع دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، معربًا عن تقديره لما سماه جهود الإدارة لإحلال الاستقرار في سوريا. وفي السياق ذاته، قال ترامب إنه أجرى «محادثة جيدة جدًا» مع أحمد الشرع، في محاولة لتسويق صورة دبلوماسية هادئة، رغم أن الخطاب الأمريكي لا يزال يتأرجح بين العقوبات والتهديد.

ازدواجية المعايير الأمريكية

غير أن خطاب غراهام يثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير. فالسيناتور الذي يطالب بالاستقرار، يتجاهل دور الإمارات نفسها في تعقيد ملفات إقليمية عديدة، من اليمن إلى السودان وليبيا. كما أن تصوير الخلاف السعودي–الإماراتي بوصفه «هجومًا» من طرف واحد، يعكس قراءة منحازة تخدم أجندات محددة داخل واشنطن، أكثر مما تعكس حرصًا حقيقيًا على الاستقرار الإقليمي.

اللوبي الصهيوني وحضور العتيبة

لا يمكن فهم اندفاع غراهام ضد السعودية بمعزل عن تأثير اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي يعمل منذ سنوات على إعادة ضبط العلاقات الأمريكية–الخليجية بما يخدم أولويات الاحتلال الإسرائيلي. وفي هذا السياق، يبرز دور يوسف العتيبة، السفير الإماراتي في واشنطن، الذي يُعد أحد أكثر الدبلوماسيين نفوذًا داخل مراكز القرار الأمريكي. العتيبة، بعلاقاته الواسعة مع الكونغرس ومراكز الأبحاث واللوبيات المؤثرة، لعب دورًا محوريًا في تسويق الإمارات كشريك «موثوق» و«تقدمي»، مقابل شيطنة أي مواقف سعودية لا تتماهى بالكامل مع الرؤية الإسرائيلية أو الإماراتية.

من التطبيع إلى التهديد

مفارقة أخرى تكمن في أن غراهام نفسه كان من أبرز المنخرطين في الضغط على السعودية لتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال. لكنه عاد هذا الشهر ليهدد بـ«إعادة نظر جذرية» في طبيعة التحالف الأمريكي مع الرياض ودول خليجية أخرى، إذا ما «تدخلت لصالح إيران» لتفادي عمل عسكري أمريكي. هذا التحول السريع يكشف أن معيار الولاء في واشنطن ليس الاستقرار ولا الشراكة طويلة الأمد، بل مدى الاستجابة الفورية لأجندات الضغط، وفي مقدمتها أجندة اللوبي الصهيوني.

رسائل أبعد من الرياض

تصريحات غراهام لا تستهدف السعودية وحدها، بل تحمل رسالة أوسع لكل العواصم العربية: أي محاولة للاستقلال في القرار، أو موازنة العلاقات مع قوى إقليمية مثل إيران، ستُقابل بالابتزاز السياسي والتلويح بالعقوبات. وفي المقابل، تُكافأ العواصم التي تنخرط بعمق في مشاريع التطبيع والتحالفات الأمنية التي تخدم إسرائيل، بغضّ النظر عن سجلها في إشعال الصراعات أو انتهاك حقوق الشعوب.

خلاصة المشهد

في المحصلة، يكشف هجوم ليندسي غراهام على السعودية دفاعًا عن الإمارات عن مشهد أمريكي مأزوم، تحكمه اللوبيات أكثر مما تحكمه المبادئ. وبين خطاب «الاستقرار» والتهديد بالعقوبات، تتبدى حقيقة السياسة الأمريكية في المنطقة: إدارة الصراعات لا حلّها، واستخدام الحلفاء كأدوات ضغط متبادلة، بينما تبقى الشعوب العربية وقودًا لحسابات لا تراعي إلا مصالح واشنطن وتل أبيب.

اقرأ أيضا : الحرب النفسية للمقاومة تُربك الداخل الإسرائيلي: خوف واكتئاب يتصاعدان في ظل حرب غزة