في سياق حربه المستمرة على الشعب الفلسطيني، لم يعد الاحتلال الإسرائيلي يكتفي باستخدام القوة العسكرية وحدها، بل بات يوسّع معركته إلى فضاءات الإعلام والثقافة والجامعات ومراكز البحث، في محاولة لصياغة وعي عالمي يتماشى مع روايته السياسية والأمنية. ويعكس الخطاب الإسرائيلي الأخير تصعيدًا واضحًا في استهداف الحركات الإسلامية والمنظمات الداعمة للقضية الفلسطينية في الغرب، من خلال ربطها بمشاريع “تهديد داخلي” للمجتمعات الغربية، وتصويرها كأدوات لاختراق الهوية والقيم الليبرالية.

هذا التحريض لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع تراجع صورة الاحتلال عالميًا، وتصاعد الانتقادات الشعبية والأكاديمية لسياساته، خاصة بعد الجرائم المتواصلة في قطاع غزة والضفة الغربية، ما دفع تل أبيب إلى البحث عن ساحات بديلة لتعويض خسائرها المعنوية.

معركة الرواية بدلًا من ساحة المعركة

يدرك الاحتلال أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالدبابات والطائرات، بل بالروايات والخطابات والصور الذهنية التي تُزرع في وعي الشعوب. ومن هذا المنطلق، يسعى إلى إعادة تعريف الصراع باعتباره مواجهة حضارية بين “الغرب الليبرالي” و”الإسلام السياسي”، وليس كصراع بين قوة احتلال وشعب واقع تحت السيطرة.

ويهدف هذا التوصيف إلى نقل القضية الفلسطينية من كونها مسألة حقوق وعدالة إلى إطار أمني وثقافي، يُجرِّم أي تعاطف مع الفلسطينيين، ويحوّله إلى “تهديد أيديولوجي” مزعوم. وبهذه الطريقة، يحاول الاحتلال نزع الشرعية الأخلاقية عن الأصوات الداعمة لفلسطين، وإفراغ خطاب التضامن من مضمونه الإنساني.

توظيف الوثائق القديمة لإنتاج خطاب جديد

تعتمد الدعاية الإسرائيلية على استحضار وثائق قديمة، وتفسيرات انتقائية لاجتماعات أو مذكرات تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، لتقديمها كدليل على “مخططات استراتيجية طويلة الأمد” تستهدف المجتمعات الغربية من الداخل.

ويتم توظيف هذه الوثائق خارج سياقها التاريخي والسياسي، وتحميلها دلالات أمنية معاصرة، بهدف إقناع الرأي العام بأن النشاط الطلابي والإعلامي المؤيد لفلسطين ليس تعبيرًا عن وعي أخلاقي، بل امتداد لمشروع منظم وموجَّه.

هذا الأسلوب يعكس رغبة الاحتلال في صناعة “خطر دائم”، حتى في غياب الوقائع الملموسة، بما يبرر سياسات المراقبة والتضييق والحظر.

الجامعات والطلاب في مرمى الاستهداف

تُعد الجامعات الغربية إحدى أهم ساحات الصراع الرمزي اليوم، حيث تشهد تصاعدًا في النشاط الطلابي المناهض للاحتلال، وازدياد الوعي النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية. وقد تحوّلت هذه البيئة الأكاديمية إلى مصدر قلق حقيقي لتل أبيب.

ومن هنا، تسعى إسرائيل إلى ربط الحركات الطلابية الداعمة لفلسطين بشبهات التطرف أو التمويل المشبوه، في محاولة لنزع المصداقية عنها، وإقناع الإدارات الجامعية باتخاذ إجراءات عقابية بحقها.

كما تعمل عبر جماعات ضغط ولوبيات سياسية على سنّ قوانين تجرّم بعض أشكال التعبير، وتوسّع تعريف “معاداة السامية” ليشمل أي نقد للاحتلال.

خطاب “الإسلام السياسي” كأداة شيطنة

يوظف الخطاب الإسرائيلي مفهوم “الإسلام السياسي” بوصفه فزاعة سياسية وثقافية، تُستخدم لتشويه كل الحركات والمنظمات ذات المرجعية الإسلامية، بغض النظر عن طبيعة نشاطها أو التزامها بالقوانين.

ويتم الخلط المتعمد بين العمل الدعوي، والنشاط الإنساني، والتعبير السياسي السلمي، في إطار واحد يُصوَّر على أنه تهديد أمني شامل. وبهذا، يتحول الدفاع عن فلسطين إلى “شبهة أيديولوجية”، بدلًا من كونه موقفًا أخلاقيًا مشروعًا.

كما يسعى الاحتلال إلى استغلال حساسية المجتمعات الغربية تجاه قضايا الإرهاب، لتبرير هذا الخطاب وتكريسه إعلاميًا.

استغلال قيم التعددية ضد أصحابها

مفارقة الخطاب الإسرائيلي تكمن في أنه يهاجم الحركات الإسلامية باستخدام لغة حقوق الإنسان نفسها. فهو يتهم هذه الحركات باستغلال شعارات العدالة والتنوع والمساواة لخدمة “أجندات خفية”، في محاولة لإفراغ هذه القيم من مضمونها.

وفي الوقت ذاته، يغضّ الطرف عن انتهاكاته الصارخة لهذه القيم داخل الأراضي المحتلة، من حصار وتجويع وقصف وتهجير قسري، دون أي مساءلة حقيقية.

هذا التناقض يكشف الطابع النفعي للخطاب الإسرائيلي، الذي يوظف المبادئ الليبرالية حين تخدم مصالحه، ويتجاهلها حين تصطدم بممارساته.

أزمة شرعية تتستر خلف الحرب الثقافية

يعكس هذا التصعيد في التحريض حالة أزمة عميقة يعيشها الاحتلال على مستوى الشرعية الدولية. فتراجع الدعم بين الأجيال الشابة، وتنامي حملات المقاطعة، واتساع رقعة الاحتجاجات، كلها مؤشرات على تآكل الرواية الإسرائيلية التقليدية.

ولذلك، يحاول الاحتلال تعويض خسارته الأخلاقية بشن حرب ثقافية وإعلامية، هدفها إسكات الخصوم بدلًا من مواجهة الحقائق. فبدل مراجعة سياساته، يلجأ إلى شيطنة منتقديه.

خاتمة: ساحة الوعي كجبهة مفتوحة

في المحصلة، يعكس التحريض الإسرائيلي على المنظمات الإسلامية في الغرب إدراكًا متزايدًا بأن الصراع لم يعد محصورًا في الجغرافيا، بل انتقل إلى ميدان الوعي والرأي العام. إنها معركة على الذاكرة والسردية والشرعية.

وكلما فشل الاحتلال في فرض وقائعه على الأرض سياسيًا وأخلاقيًا، ازداد اعتماده على أدوات التشويه والتخويف. غير أن هذا النهج، مهما بدا مؤثرًا مؤقتًا، لا يستطيع إخفاء حقيقة الاحتلال ولا إسكات صوت العدالة طويلًا.

فمعركة الوعي، على عكس ما يعتقده الاحتلال، لا تُحسم بالتحريض، بل بالحقائق، وبقدرة الشعوب على التمييز بين الرواية المصطنعة والواقع الملموس.

اقرأ أيضًا : مظاهرات أوروبية غاضبة في برلين وباريس تفضح التواطؤ الغربي مع جرائم الاحتلال في غزة