في ظل تصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية في بريطانيا، تتزايد التحذيرات من تبني خطاب مناهض الإسلام السياسي، مدعوم بشكل مباشر أو غير مباشر من دولة الإمارات، باعتباره أداة سياسية لتوجيه الرأي العام وإعادة تشكيل أولويات صنع القرار. وتكشف هذه التحذيرات عن مخاوف حقيقية من تحوّل هذا الخطاب إلى وسيلة لـ«تجريم الاختلاف» وتقويض التعددية السياسية، في إطار ما يصفه مراقبون بـ«إجرام سياسي ناعم» تمارسه قوى خارجية داخل الفضاء الديمقراطي البريطاني.

الفزاعة وإعادة إنتاج الخوف

سلّط الكاتب أندرياس كريغ الضوء، في مقال مطوّل، على خطورة استسهال استخدام «فزاعة الإسلام السياسي» في الخطاب الغربي، محذرًا من أن هذه السردية لم تعد مجرّد نقاش حول تيار سياسي، بل تحولت إلى أداة لإعادة صياغة صورة «العدو الداخلي» في المجتمعات الأوروبية.

ويشير كريغ إلى أن هذا الخطاب يقوم على تعميم فضفاض يربط بين الإسلاميين، والمجتمعات المسلمة، والنشاط المدني، في قالب واحد، يُقدَّم بوصفه تهديدًا للأمن القومي، دون الاستناد إلى أدلة تنظيمية واضحة أو وقائع ملموسة.

الجامعات البريطانية في مرمى الاستهداف

برزت ملامح هذا التوجه بوضوح مطلع العام، عندما فوجئ طلاب إماراتيون بحذف الجامعات البريطانية من قائمة المؤسسات المعتمدة للدراسة على نفقة حكومة أبوظبي. وبررت الجهات المعنية القرار بمخاوف تتعلق بـ«التطرف» وتأثير الإخوان داخل الحرم الجامعي.

ويرى محللون أن هذا الإجراء يعكس خشية من البيئة الأكاديمية المنفتحة في بريطانيا، التي تقوم على حرية التعبير والتعدد الثقافي، وتتيح نقاشًا نقديًا حول السياسات الإقليمية، بما فيها سياسات الإمارات نفسها.

صعود الخطاب الشعبوي وتضخيم التهديد

تزامن هذا التطور مع تصاعد تصريحات سياسية تحذر من «تغلغل الإسلاميين» في مؤسسات الدولة، والمدارس، وأجهزة الشرطة. ويؤكد كريغ أن هذه اللغة تعكس إحياء صورة نمطية للعدو، تستخدم كمظلّة جامعة لمختلف المخاوف الاجتماعية والاقتصادية.

ويضيف أن هذا الخطاب لا يعكس تهديدًا منظمًا بقدر ما يعكس توظيفًا سياسيًا للخوف، يخدم أجندات داخلية وخارجية في آن واحد، ويفتح المجال أمام صعود تيارات يمينية متطرفة.

الإمارات وتسليح السرديات السياسية

يعتبر الكاتب أن ما يجري يندرج ضمن ما يسميه «تسليح السرديات»، أي استخدام الروايات السياسية والإعلامية لتوجيه سلوك الجمهور. ووفق هذا التصور، تعمل الإمارات على تضخيم المخاوف القائمة داخل المجتمعات الغربية، واستثمارها سياسيًا لخدمة مصالحها الإقليمية.

ويشير إلى أن أبوظبي، بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية، تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها «حائط صد» أمام الإسلام السياسي، بما يبرر تحالفاتها مع أنظمة سلطوية وميليشيات مسلحة تحت شعار «مكافحة التطرف».

تجريم المجتمع المدني وتقييد الحريات

من أخطر نتائج هذا الخطاب، وفق الكاتب، تحويل المساجد والجمعيات الخيرية والاتحادات الطلابية إلى كيانات مشبوهة بشكل تلقائي، ما لم تخضع لرقابة صارمة. ويعكس ذلك ذهنية ترى في التعددية خطرًا، وفي الاختلاف تهديدًا.

كما أن ربط أي انتقاد للسياسات الإقليمية أو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي بـ«دعاية الإسلام السياسي” يؤدي إلى خنق النقاش العام، وتحويل الفضاء الديمقراطي إلى ساحة مراقبة دائمة.

تقاطعات إماراتية مع اليمين الأوروبي

شهدت السنوات الماضية تقاربًا ملحوظًا بين دوائر إماراتية وإسرائيلية وبعض قوى اليمين المتطرف في أوروبا. وتحدثت تقارير عن دعم غير مباشر لأحزاب ومنصات إعلامية تروج خطابًا معاديًا للهجرة ومساندًا للاحتلال.

ويجمع هذا الخطاب بين التحذير من «الحصار الثقافي» والدعوة إلى صعود «الزعيم القوي»، في الداخل والخارج، باعتباره الحل الوحيد لمواجهة التهديدات.

مخاطر على الديمقراطية البريطانية

يحذر كريغ من أن تجاهل هذا التداخل بين السياسات الداخلية البريطانية والخطابات المدعومة خارجيًا قد يؤدي إلى تآكل النقاش الديمقراطي. ويدعو إلى فرض شفافية كاملة على التمويل الأجنبي لمراكز الأبحاث والأحزاب، وتطبيق صارم لقوانين الضغط السياسي.

كما يؤكد ضرورة الفصل الواضح بين سياسات الأمن الداخلي والمصالح الإقليمية لحلفاء ذوي طبيعة سلطوية.

دفاع عن القيم في مواجهة الإجرام الناعم

في ختام تحليله، يشدد الكاتب على أن الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية لا يمكن تفويضه لأطراف تخشى التعددية وتناهض حرية التعبير. ويرى أن استيراد «الفزاعة” إلى بريطانيا يمثل محاولة منظمة لإعادة تشكيل الوعي العام والتأثير في صناعة القرار.

ويخلص إلى أن ما تمارسه الإمارات في هذا السياق لا يقل خطورة عن أشكال الإجرام السياسي التقليدي، لأنه يعمل بصمت، عبر الإعلام والتمويل والنفوذ، مستهدفًا جوهر القيم الديمقراطية. وحماية هذه القيم، وفق كريغ، مسؤولية وطنية بريطانية لا يجوز التفريط بها تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية.

اقرأ أيضًا : سفير مصري سابق: خطة ترامب في غزة إلى طريق مسدود وتصعيد محتمل في رمضان