حذّر سفير مصري سابق ومندوب دائم لدى الأمم المتحدة من أن الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة مرشحة للفشل بصيغتها الحالية، معتبراً أن ما يجري حتى الآن لا يتجاوز كونه ترتيبات شكلية تفتقر إلى أسس سياسية وأمنية قابلة للحياة. وأكد أن إنشاء كيانات جديدة مثل لجنة لإدارة غزة أو ما يسمى بمجلس للسلام، إلى جانب الحديث عن قوة استقرار دولية، لا يعكس تحولاً حقيقياً في مقاربة الأزمة، بقدر ما يمثل محاولة لإضفاء طابع تنظيمي على رؤية تفتقر إلى التوازن والواقعية.
وأوضح أن أي خطة لا تنطلق من معالجة الجذور السياسية للصراع، وعلى رأسها إنهاء الاحتلال ووقف السياسات التي فاقمت الانقسام والانهيار الإنساني، ستظل عرضة للانهيار بمجرد اصطدامها بالواقع الميداني. فإعادة ترتيب المشهد الإداري في غزة دون اتفاق وطني فلسطيني شامل، ودون ضمانات حقيقية لوقف العدوان، لا يمكن أن تنتج استقراراً دائماً، بل قد تؤسس لمرحلة انتقالية هشة تنفجر عند أول اختبار.

اختلال التوازن في المعادلة الأمنية
وأشار السفير السابق إلى أن الإصرار الإسرائيلي، المدعوم أمريكياً، على مسألة نزع سلاح حركة حماس في غياب أي نقاش موازٍ حول القدرات العسكرية الإسرائيلية، يكشف عن اختلال عميق في بنية الخطة. فالمقاربة الحالية تتعامل مع غزة باعتبارها مشكلة أمنية يجب “إعادة ضبطها”، لا قضية سياسية لها جذور تاريخية وحقوقية واضحة.
وأضاف أن فرض نزع السلاح كشرط مسبق دون تقديم أفق سياسي واضح أو ضمانات لرفع الحصار ووقف الاستيطان في الضفة الغربية، يعكس رؤية أحادية قد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل الواقع الأمني والديمغرافي في القطاع. وفي ظل الحديث المتزايد عن مشاريع استثمارية على الشريط الساحلي، تبدو غزة في بعض الطروحات أقرب إلى “فرصة اقتصادية” يجري التفكير في إعادة تصميمها، لا أرضاً مأهولة بشعب يطالب بحقوقه الوطنية.
ويرى أن هذا النهج قد يؤدي إلى إعادة إنتاج دائرة العنف، لأن أي محاولة لإعادة هندسة الواقع الأمني بالقوة ستصطدم برفض شعبي وفصائلي، خاصة إذا لم تترافق مع حل سياسي شامل يعالج قضايا السيادة والحدود وحق تقرير المصير.
رمضان واحتمالات الانفجار الميداني
وحذّر من أن المؤشرات السياسية والميدانية توحي بإمكانية تصعيد جديد خلال شهر رمضان، في ظل غياب توازن حقيقي في بنود الخطة واستمرار العمليات العسكرية والضغوط الأمنية. وأشار إلى أن شهر رمضان لطالما كان محطة حساسة في السياق الفلسطيني، حيث تتداخل الأبعاد الدينية والوطنية، ما يجعل أي احتكاك ميداني مرشحاً للتحول إلى مواجهة أوسع.
وأوضح أن استمرار العمليات في الضفة الغربية، والتوتر في القدس، إضافة إلى هشاشة الترتيبات في غزة، تشكل جميعها عوامل قابلة للاشتعال في أي لحظة. وفي حال اندلاع موجة تصعيد جديدة، فإن ذلك سيقوض ما تبقى من فرص لتمرير الخطة الأمريكية، ويعيد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة.
الضربة المحتملة لإيران وتداعياتها الإقليمية
وفي سياق متصل، رجّح السفير السابق أن تتجه الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران خلال شهر مارس أو بعده بقليل، في ظل تصاعد الخطاب التصادمي والشروط التفاوضية التي وصفها بأنها “مستحيلة القبول”. وأوضح أن قبول طهران بهذه الشروط قد يعني عملياً إضعاف النظام الإيراني إلى حد الانهيار، وهو ما يجعل احتمالات المواجهة العسكرية قائمة بقوة.
وأشار إلى أن أي ضربة أمريكية لإيران لن تبقى في إطار ثنائي محدود، بل ستفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة، تمتد آثارها إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان، وربما إلى غزة نفسها. فالساحات الإقليمية مترابطة، وأي تصعيد كبير سيعيد خلط الأوراق، ويجعل من الصعب احتواء التداعيات.
وأكد أن الربط بين المسارين، الفلسطيني والإيراني، بات واضحاً في الاستراتيجية الأمريكية، حيث يجري التعامل مع ملفات المنطقة ضمن رؤية شاملة تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى. إلا أن هذا المسار ينطوي على مخاطر عالية، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع الداخلية في عدد من الدول، وتراجع الثقة في جدوى الحلول العسكرية.
بين فرض الوقائع والحل السياسي الشامل
وختم السفير المصري السابق حديثه بالتأكيد على أن أي خطة تتجاهل البعد السياسي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، أو تعتمد على فرض الوقائع بالقوة، لن تحقق استقراراً حقيقياً. فغزة ليست مجرد ملف إداري أو أمني يمكن إعادة ترتيبه بقرارات فوقية، بل قضية متجذرة في سياق احتلال طويل ومعاناة إنسانية عميقة.
ورأى أن البديل الوحيد القابل للحياة يتمثل في مسار سياسي متوازن، يضمن حقوق الفلسطينيين ويأخذ في الاعتبار مخاوف جميع الأطراف ضمن إطار قانوني دولي واضح. أما الاستمرار في إدارة الأزمة عبر حلول جزئية أو عسكرية، فسيؤدي إلى جولات جديدة من العنف، قد تبدأ في رمضان، لكنها لن تنتهي عند حدوده الزمنية.
وبين تصاعد التوتر في غزة، واحتمالات المواجهة مع إيران، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات المحلية والإقليمية والدولية. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح القوى الكبرى في احتواء الانفجار، أم أن منطق القوة سيغلب مجدداً على منطق السياسة؟
اقرأ أيضًا : في ذكرى الاعتقالات السياسية.. مسيرة تونسية غاضبة تطالب بالحرية وإنهاء القمع والمحاكمات المسيسة