في تطور لافت يعيد فتح ملف العلاقة بين الدولة البريطانية وصناعة السلاح الإسرائيلية، كشفت ناشطة في حركة “فلسطين آكشن” تفاصيل صادمة عن ظروف اعتقالها ومحاكمتها مع زملائها، ضمن ما يعرف بقضية “فيلتون 24”، في واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية خلال السنوات الأخيرة في بريطانيا.

القضية، التي بدأت باقتحام منشأة تابعة لشركة “إلبيت سيستمز”، تحولت لاحقًا إلى اختبار حقيقي لمدى استقلال القضاء، وحدود حرية التعبير، وموقف الدولة من التضامن مع القضية الفلسطينية.

اعتقال طويل خارج الأطر القانونية

أُفرج مؤخرًا عن الناشطة ليونا كاميو وعدد من زملائها بكفالة، بعد احتجاز احتياطي دام 18 شهرًا، في تجاوز واضح للحد الأقصى القانوني المحدد بستة أشهر. هذا الاحتجاز المطوّل، الذي جرى تحت مظلة قوانين مكافحة الإرهاب، أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وقانونيين.

ورغم إسقاط التهم الإرهابية لاحقًا، استمرت السلطات في معاملتهم كمشتبه بهم “خطرين”، ما يعكس توظيفًا سياسيًا واضحًا للتشريعات الأمنية في قضايا ذات طابع احتجاجي.

القضية تعود إلى أغسطس 2024، عندما اقتحم ناشطون منشأة بحثية لشركة السلاح الإسرائيلية في منطقة فيلتون ببريستول، في إطار حملة تستهدف وقف توريد الأسلحة لإسرائيل.

أدلة مفقودة وشبهات تلاعب إجرائي

كشفت كاميو عن خمس نقاط رئيسية اعتبرتها دليلًا على خلل عميق في سير العدالة. أبرزها اختفاء تسجيلات كاميرات المراقبة، التي قالت إنها توثق اعتداءات الحراس على النشطاء باستخدام أدوات حادة.

كما تحدثت عن العثور على حقيبة أدلة للشرطة داخل خزنة تابعة لشركة “إلبيت”، في واقعة أثارت تساؤلات حول استقلالية التحقيق. ولفتت أيضًا إلى وجود مراسلات إلكترونية بين الشرطة والشركة، تهدف إلى تنسيق المواقف القانونية.

هذه المعطيات تشير إلى علاقة “شراكة غير معلنة” بين الأجهزة الأمنية وشركات السلاح، بما يقوض مبدأ الحياد المؤسسي.

تقييد النقاش حول فلسطين داخل المحكمة

من أخطر ما كشفته الناشطة، أن القاضي كان يقاطع أي محاولة لربط القضية بسياق الاحتلال الإسرائيلي أو بتاريخ فلسطين. وكلما جرى الحديث عن دور “إلبيت” في تسليح الجيش الإسرائيلي، كانت هيئة المحلفين تُخرج من القاعة.

هذا السلوك يعكس رغبة واضحة في “تفريغ القضية من بعدها السياسي”، وحصرها في إطار جنائي ضيق، رغم أن جوهرها مرتبط بالاحتجاج على جرائم حرب وانتهاكات إنسانية.

وبذلك، تحولت المحكمة من ساحة للعدالة إلى أداة لضبط السردية السياسية.

فشل الإدانة رغم الضغوط المكثفة

ورغم غياب الأدلة، والتنسيق بين الشرطة والشركة، ومنع النقاش السياسي، لم تتمكن هيئة المحلفين من إدانة ستة متهمين في فبراير الماضي، بعد أكثر من 36 ساعة من المداولات.

وبرأت المحكمة عددًا منهم من تهم الفوضى العنيفة، فيما فشلت في التوصل إلى قرار بحق آخرين. هذا العجز يعكس إدراكًا ضمنيًا لدى المحلفين بضعف الملف القضائي، وبالطابع الانتقامي للملاحقات.

قرار الإفراج عن معظم المتهمين بكفالة جاء نتيجة انهيار التهمة الأخطر: السطو المقترن بالعنف، لغياب الأدلة الكافية.

إضرابات عن الطعام ومعركة الكرامة

ثمانية من المعتقلين خاضوا إضرابًا عن الطعام استمر حتى 73 يومًا، احتجاجًا على احتجازهم دون محاكمة. وصل بعضهم إلى مرحلة الخطر الصحي، في أطول إضراب سياسي تشهده بريطانيا منذ عقود.

هذا الإضراب لم يكن مجرد احتجاج، بل صرخة ضد نظام قضائي بات يوظف الاحتجاز كأداة ضغط نفسي وسياسي، بدلًا من كونه إجراءً قانونيًا.

وقد ساهمت هذه الخطوة في زيادة التضامن الشعبي مع المعتقلين، وفضح ممارسات السلطات.

تجريم التضامن وتحويل النشطاء إلى “خطر أمني”

في يوليو 2025، صنف البرلمان البريطاني حركة “فلسطين آكشن” منظمة إرهابية، في خطوة مثيرة للجدل. أعقب ذلك اعتقال نحو 2700 شخص بتهم تتعلق بـ”الدعم”، بينهم مسنون ومتقاعدون.

وُجهت اتهامات رسمية إلى نحو 500 شخص، فيما عُلقت عشرات القضايا بانتظار الفصل القضائي النهائي. هذا التوسع في التجريم حوّل التضامن السياسي إلى “جريمة محتملة”، وخلق مناخًا من الترهيب.

ورغم حكم قضائي حديث أكد أن الحظر غير متناسب ويقوض حرية التعبير، أبقت المحكمة القرار مؤقتًا بانتظار الاستئناف.

دلالات سياسية تتجاوز قضية فردية

قضية “فيلتون 24” لم تعد مجرد ملف قانوني، بل أصبحت مرآة تعكس أزمة عميقة في الديمقراطية البريطانية. فهي تكشف كيف تتقاطع المصالح الأمنية والتجارية مع القضاء، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وصناعة السلاح.

كما تبرز استعداد الدولة لاستخدام أدوات استثنائية لقمع حركة تضامن سلمية، بدلًا من التعامل معها في إطار القانون الجنائي العادي.

في المحصلة، تظهر هذه القضية أن المعركة لم تعد فقط حول منشأة عسكرية أو اقتحام رمزي، بل حول الحق في الاحتجاج، وحرية التعبير، واستقلال القضاء، في زمن تتراجع فيه القيم الديمقراطية تحت ضغط السياسة والمصالح.

اقرأ أيضا : إحراج للاحتلال المنبوذ.. أكثر من ألف مسؤول محلي بريطاني يضعون فلسطين في قلب الانتخابات