في ظل حرب الإبادة المستمرة والحصار الخانق، لا يكتفي الاحتلال الإسرائيلي بتدمير المنازل والمستشفيات والبنية التحتية في قطاع غزة، بل يواصل إنتاج كوارث صامتة لا تقل فتكًا، عبر تغذية الانهيار البيئي وتحويل المدن والأسواق الشعبية إلى مكبات نفايات مفتوحة، في سياسة ممنهجة تعمّق معاناة السكان وتدفعهم نحو مستقبل صحي وبيئي مظلم.

وبات التلوث البيئي أحد أبرز وجوه المعاناة اليومية التي يعيشها أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في القطاع، في ظل غياب الحلول، وتعمد الاحتلال تعطيل أي مسار لمعالجة هذه الكارثة المتفاقمة.

أسواق تتحول إلى بؤر تلوث وموت بطيء

خلال جولة ميدانية في مدينة غزة، يلاحظ الزائر بسهولة كيف تحوّل سوق فراس المركزي، أحد أهم الأسواق الشعبية في قلب المدينة، إلى أكبر مكب نفايات مفتوح، تتكدس فيه آلاف الأطنان من المخلفات، وتنبعث منه روائح خانقة، وتنتشر حوله الحشرات والقوارض.

هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة في معظم مناطق القطاع، حيث ظهرت عشرات المكبات العشوائية قرب مراكز الإيواء والخيام، وعلى أطراف الطرقات، وحتى قرب الشاطئ، ما يجعل البيئة الحضرية بيئة ملوثة وخطيرة على الصحة العامة.

تحوّل هذه الأسواق إلى مكبات لا يعكس فشلًا إداريًا بقدر ما يكشف عن سياسة قسرية فرضها الاحتلال عبر تدمير البنية التحتية ومنع الوصول إلى المكبات الرئيسية، ودفع البلديات إلى خيارات اضطرارية خطيرة.

بلدية غزة بين العجز القسري والحصار الممنهج

مدير عام التخطيط في بلدية غزة، ماهر سالم، أوضح أن البلدية اضطرت لاستخدام سوق فراس كمكب مؤقت بعد امتلاء مكب سوق اليرموك، وعدم القدرة على الوصول إلى أطراف المدينة بسبب القصف وخطورة الطرق.

وأشار إلى أن الاحتلال يمنع الوصول إلى المناطق الشرقية والجنوبية التي تضم المكبات الرئيسية، ما جعل البلدية محاصرة داخل نطاق جغرافي ضيق، دون أي بدائل آمنة.

ورغم حصول البلدية مؤخرًا على موافقة محدودة لنقل جزء من النفايات إلى منطقة أبو جراد، إلا أن العملية تواجه عراقيل متكررة، بينها إطلاق النار على مناطق التفريغ، وتعطيل حركة الشاحنات.

وبحسب سالم، فإن كمية النفايات المتراكمة تتجاوز مليون متر مكعب، فيما يحتاج ترحيل مكب فراس وحده إلى ما بين ستة وثمانية أشهر، في حال استمر العمل دون عوائق.

الاحتلال يمنع الحلول ويُراكم الكارثة

لا تتوقف الأزمة عند حدود العجز اللوجستي، بل تتعمق بفعل سياسات الاحتلال المتعمدة، التي تمنع الوصول إلى المكبات الرئيسية في جحر الديك وصوفا، وتُقيّد حركة الآليات والعمال.

ويرى مسؤولون في البلديات أن الاحتلال يستخدم الملف البيئي كأداة ضغط جماعي، عبر ترك المدن تغرق في النفايات، وحرمان السكان من أبسط شروط الحياة الصحية.

هذا المنع لا يؤدي فقط إلى تراكم القمامة، بل يخلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض، ويهدد بانفجار صحي واسع، خصوصًا في ظل انهيار النظام الصحي ونقص الأدوية والمياه النظيفة.

وبذلك يتحول التلوث إلى سلاح غير مباشر ضمن منظومة العقاب الجماعي المفروضة على غزة.

قنابل بيئية تهدد الحاضر والمستقبل

الخبير البيئي البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه حذر من أن المكبات المؤقتة تمثل “قنابل بيئية موقوتة”، بسبب كميات النفايات الضخمة التي تُلقى يوميًا، والتي تُقدّر بنحو مليوني كيلوغرام.

وأوضح أن هذه المكبات غير مطابقة للمواصفات البيئية، وغير مبطنة، ما يسمح بتسرب العصارة السامة إلى التربة والمياه الجوفية، التي تعاني أصلًا من تلوث مزمن.

وأشار إلى أن حرق النفايات يؤدي إلى إطلاق غازات سامة وجزيئات دقيقة تسبب أمراضًا صدرية وقلبية وجلدية، إضافة إلى تهيج العيون والجهاز التنفسي، خاصة في منطقة تعد من الأعلى كثافة سكانية في العالم.

كما لفت إلى أن التلوث البصري والنفسي الناتج عن انتشار القمامة يؤثر على الصحة النفسية للسكان، ويعمق مشاعر الاكتئاب والعجز، خاصة لدى الأطفال والنازحين.

تهديد للزراعة والبحر والتنوع الحيوي

لا تقتصر آثار الكارثة على المدن فقط، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية والبيئة البحرية، حيث تؤدي الملوثات إلى تدهور خصائص التربة وتقليص خصوبتها، ما يهدد الأمن الغذائي في قطاع يعاني أصلًا من المجاعة.

كما أن المكبات القريبة من الساحل تسهم في تلوث البحر، ما يؤثر على الثروة السمكية، ويُفاقم أزمة الصيادين.

وتتحول هذه المكبات أيضًا إلى بؤر لتكاثر الحشرات والكلاب الضالة والقوارض، التي تنقل الأمراض وتزيد من المخاطر الصحية.

جريمة بيئية ضمن منظومة الإبادة

ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن سياق الحرب الشاملة التي تستهدف الإنسان والأرض والبيئة معًا. فتعطيل الحلول البيئية، ومنع الوصول إلى المكبات، وترك المدن تغرق في النفايات، هو جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تدمير مقومات الحياة.

إنها جريمة بيئية مكتملة الأركان، تُضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات، وتكشف أن الاحتلال لا يكتفي بالقتل المباشر، بل يسعى إلى تحويل غزة إلى مساحة غير قابلة للحياة.

وفي ظل هذا الواقع، تبقى الكارثة البيئية شاهدًا جديدًا على أن ما يتعرض له القطاع ليس أزمة عابرة، بل عملية تدمير ممنهجة تستهدف الحاضر والمستقبل معًا.

اقرأ أيضًا :إحراج للاحتلال المنبوذ.. أكثر من ألف مسؤول محلي بريطاني يضعون فلسطين في قلب الانتخابات