أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، تصعيده السياسي مجددًا، داعيًا إلى مظاهرة حاشدة في مدينة عدن مساء الجمعة، في خطوة تعكس احتدام الصراع داخل معسكر القوى المناهضة للحوثيين، وتكشف عمق الانقسام في الجنوب اليمني. الدعوة التي أطلقها المجلس جاءت بلغة تعبئة سياسية واضحة، إذ اعتبر أن “اللحظات التاريخية لا تُصنع إلا بثبات الشعوب”، مطالبًا أنصاره بالاحتشاد في ساحة العروض للتعبير عمّا وصفه بـ”الإرادة الشعبية الحرة”.

هذا التحرك لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي المتوتر في عدن، حيث تتداخل حسابات السلطة المحلية مع توازنات إقليمية معقدة، أبرزها الدور الإماراتي في دعم المجلس الانتقالي منذ تأسيسه عام 2017. ويقود المجلس عيدروس الزبيدي، الذي شغل مناصب رسمية ضمن السلطة المعترف بها دوليًا، قبل أن يتحول إلى رأس مشروع سياسي انفصالي يسعى لإعادة تشكيل الجنوب اليمني ككيان مستقل عن الشمال.

التصعيد الأخير يأتي بعد أشهر من تجاذبات بين المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، التي تتخذ من عدن مقرًا مؤقتًا لها، في ظل استمرار الحرب مع جماعة الحوثي. وبينما كان يُفترض أن يفضي اتفاق برعاية سعودية إلى إعادة هيكلة المشهد الجنوبي ودمج القوى المتصارعة، فإن الواقع الميداني والسياسي يشير إلى عكس ذلك.

ثلاث ثوابت… عنوان الصدام مع الحكومة

حدد المجلس الانتقالي ثلاث “ثوابت” قال إن المظاهرة المرتقبة تهدف إلى تأكيدها. أول هذه الثوابت يتمثل في التنديد بما وصفه بـ”الإجراءات التعسفية” التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي والحكومة في عدن، بما في ذلك إغلاق مقرات تابعة للمجلس. ويعتبر الانتقالي أن هذه الخطوات تستهدف تقويض حضوره السياسي في الجنوب، بينما ترى أطراف حكومية أن الأمر يتعلق بتنظيم العمل المؤسسي ومنع ازدواجية السلطة.

الثابت الثاني يرتبط بالمطالبة بالكشف عن ملابسات ما عُرف بـ”حادثة معاشيق”، التي شهدت إطلاق نار على متظاهرين، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وفق بيانات المجلس. ويطالب الانتقالي بلجنة تحقيق مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن إطلاق النار، إضافة إلى الكشف عن مصير معتقلين ومخفيين قسرًا. هذا المطلب يسلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في عدن، حيث تتنازع الأجهزة الأمنية الولاءات والانتماءات، ما يجعل من أي حادث أمني شرارة محتملة لمواجهة سياسية أوسع.

أما الثابت الثالث، فيتمثل في التشكيك بشرعية الوجود الحالي للحكومة اليمنية في الجنوب، إذ يؤكد المجلس أن هذا الوجود “يفتقر إلى أي قبول سياسي أو شعبي”، باعتباره لم ينبثق – وفق تعبيره – عن شراكة انتقالية حقيقية. هذا الطرح يعيد إلى الواجهة الخطاب الانفصالي الذي يتبناه المجلس، والقائم على فكرة أن الجنوب يمتلك “قضية سياسية مستقلة” ينبغي التعامل معها بمعزل عن الإطار الوطني اليمني الجامع.

ميليشيا مدعومة إماراتيًا… ومشروع انقسام

لا يخفى أن المجلس الانتقالي يستند في نفوذه إلى تشكيلات عسكرية وأمنية مدعومة من الإمارات، أبرزها قوات “الحزام الأمني” والنخب المحلية في بعض المحافظات الجنوبية. وقد لعبت هذه التشكيلات دورًا حاسمًا في تثبيت سيطرة المجلس على عدن ومناطق أخرى، خاصة بعد المواجهات المسلحة التي اندلعت في أكثر من محطة بين قوات موالية للحكومة وأخرى تابعة للانتقالي.

الدعم الإماراتي للمجلس كان جزءًا من رؤية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوى في الجنوب، بما يخدم مصالح أبوظبي الاستراتيجية في الموانئ والممرات البحرية، خصوصًا في خليج عدن وباب المندب. غير أن هذا الدعم أثار توترات داخل التحالف العربي نفسه، وأوجد حالة من الازدواجية في القرار العسكري والسياسي داخل المناطق المحررة من الحوثيين.

ويرى مراقبون أن دعوة الانتقالي إلى مظاهرة “مليونية” تمثل رسالة ضغط مزدوجة: الأولى موجهة إلى الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، للتأكيد على أن المجلس لا يزال يمتلك قاعدة جماهيرية وقوة ميدانية؛ والثانية إلى الرياض، بوصفها الراعي الرئيسي للتسويات السياسية، مفادها أن أي ترتيب لا يضمن موقعًا مركزيًا للانتقالي في معادلة الجنوب سيواجه مقاومة شعبية – أو على الأقل هذا ما يسعى المجلس لإظهاره.

في المقابل، تخشى أطراف يمنية من أن يؤدي هذا التصعيد إلى إعادة إنتاج مشهد الانقسام والصدام المسلح داخل الجنوب، ما يضعف الجبهة المناهضة للحوثيين ويعقد فرص التوصل إلى تسوية شاملة للحرب. فالمشهد اليمني بات موزعًا بين سلطات أمر واقع متعددة، لكل منها داعمون إقليميون وأجندات خاصة، ما يجعل من أي تحرك جماهيري أداة في صراع أوسع على الشرعية والنفوذ.

في المحصلة، تعكس دعوة المجلس الانتقالي إلى مظاهرة حاشدة في عدن استمرار مشروعه السياسي القائم على تكريس واقع منفصل في الجنوب، مستندًا إلى قوة السلاح والدعم الإقليمي، في مواجهة حكومة تعاني أصلًا من ضعف النفوذ وتآكل الشرعية. وبين خطاب “الثوابت” وشعارات الحشد الجماهيري، يبقى السؤال الأهم: هل يقود هذا التصعيد إلى إعادة رسم معادلة السلطة في الجنوب، أم أنه مجرد حلقة جديدة في مسلسل الصراع المفتوح على مستقبل اليمن؟

اقرأ أيضا : مجلس الأمن يدين جرائم الدعم السريع ما يكشف دور الإمارات في تغذية حرب السودان