في أول تصريح له منذ تعيينه، أعلن وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي أن مؤشرات العمليات العسكرية تتجه نحو العاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، في رسالة واضحة تعكس تحولًا في خطاب المؤسسة العسكرية باتجاه تصعيد محتمل في مسار الحرب. وجاءت تصريحات العقيلي خلال اتصال مرئي بأمسية رمضانية نظمتها قيادة المنطقة العسكرية السابعة، حيث أكد أن قواته تمثل “رأس الحربة” في معركة استعادة مؤسسات الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار.
المنطقة العسكرية السابعة تنتشر في المديريات الشمالية والغربية من محافظة مأرب، المحاذية لصنعاء والجوف، وهي مناطق تمثل خط تماس استراتيجي مع معاقل الحوثيين. حديث العقيلي عن “اتجاه المؤشر نحو صنعاء” لا يعني فقط تحركًا ميدانيًا، بل يحمل أبعادًا سياسية، خصوصًا في ظل تعقيدات المشهد العسكري وتعدد مراكز القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

تصاعد المواجهات وتكلفة بشرية مستمرة
تأتي تصريحات وزير الدفاع في وقت تتجدد فيه المعارك على عدة جبهات، أبرزها في الريف الجنوبي لمحافظة الحديدة الساحلية. فقد شهدت مدينة حيس مواجهات عنيفة أسفرت عن مقتل ستة جنود وإصابة أكثر من ثلاثة عشر آخرين، ما يعكس هشاشة خطوط التماس رغم سنوات الحرب الطويلة.
كما أعلن الجيش اليمني سابقًا استهداف مركز قيادة للحوثيين في الجبهة الغربية من محافظة تعز، ردًا على هجمات شنتها الجماعة على مواقع حكومية. في المقابل، اتهم الحوثيون القوات السعودية بقصف مناطق في محافظة صعدة، المعقل الرئيسي لزعيم الجماعة، ما يشير إلى استمرار التداخل الإقليمي في مسرح العمليات.
هذا التصعيد يعيد إلى الواجهة سؤال الحسم العسكري، الذي ظل معلقًا طوال سنوات النزاع، في ظل توازنات ميدانية معقدة ودعم خارجي متباين الأطراف.
الإمارات وملف الانتقالي.. معركة داخل المعركة
غير أن الحديث عن التوجه نحو صنعاء لا يمكن فصله عن الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خاصة في ظل الدور الإماراتي المثير للجدل. فمنذ سنوات، دعمت أبوظبي تشكيل وتسليح ميليشيا “المجلس الانتقالي الجنوبي”، التي ترفع شعار انفصال جنوب اليمن وإعادة الدولة السابقة لما قبل 1990.
هذا الدعم خلق واقعًا ميدانيًا مزدوجًا: جيش حكومي معترف به دوليًا من جهة، وقوات جنوبية مدعومة إماراتيًا تسيطر على عدن وأجزاء واسعة من الجنوب من جهة أخرى. وفي أكثر من محطة، اندلعت مواجهات بين الطرفين، ما كشف أن الصراع في اليمن لم يعد ثنائيًا بين الحكومة والحوثيين، بل بات متعدد الأطراف والأجندات.
منتقدو السياسة الإماراتية يرون أنها أسهمت في إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين، عبر خلق كيان عسكري وسياسي موازٍ يهدد وحدة البلاد. ويربط هؤلاء بين استمرار حالة الانقسام وتراجع فرص استعادة صنعاء، معتبرين أن أي معركة باتجاه الشمال ستظل مهددة بانفجار جبهة الجنوب في حال تعارضت المصالح.
صنعاء بين الرمز العسكري والمعنى السياسي
تمثل صنعاء أكثر من مجرد هدف عسكري؛ فهي عاصمة الدولة ورمز الشرعية والسيادة. ومنذ سيطرة الحوثيين عليها عام 2014، تحولت إلى مركز ثقل سياسي وعسكري للجماعة، ومنها تُدار مؤسسات الأمر الواقع.
إعلان التوجه نحوها يعكس رغبة في استعادة المبادرة، لكن تحقيق ذلك يتطلب جبهة موحدة، وإسنادًا لوجستيًا واسعًا، وحسمًا في ملف القوى المحلية المتنازعة. فالمعركة على صنعاء ليست مجرد تحرك ميداني، بل اختبار لقدرة الحكومة على توحيد قرارها العسكري والسياسي.
في هذا السياق، تبدو تصريحات قائد المنطقة السابعة، محمد المنتصر، بشأن الجاهزية لتنفيذ المهام، جزءًا من رفع المعنويات وإعادة بث الثقة في صفوف القوات الحكومية، خصوصًا بعد سنوات من الجمود النسبي في خطوط التماس.
بين الطموح العسكري وتعقيدات الواقع
رغم نبرة الحسم في تصريحات وزير الدفاع، فإن الواقع اليمني يظل شديد التعقيد. فالحوثيون ما زالوا يسيطرون على مساحات واسعة من الشمال، ويتمتعون بقدرات عسكرية متطورة نسبيًا مقارنة ببدايات الحرب، فضلًا عن بنية تنظيمية متماسكة.
في المقابل، يعاني المعسكر الحكومي من أزمات مالية، وانقسامات سياسية، وتعدد مراكز القرار. كما أن الدورين السعودي والإماراتي، رغم كونهما جزءًا من التحالف ذاته، اتخذا مسارات مختلفة في السنوات الأخيرة، ما ألقى بظلاله على وحدة الهدف.
التلويح بالتقدم نحو صنعاء قد يكون رسالة ضغط سياسية بقدر ما هو إعلان نوايا عسكرية، خاصة في ظل حديث متكرر عن مسارات تفاوضية غير معلنة. لكن أي تحرك ميداني واسع قد يعيد إشعال جبهات متعددة، ويزيد من كلفة الحرب الإنسانية التي يدفعها المدنيون منذ ما يقرب من عقد.
وحدة اليمن على المحك
في ظل هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن الحديث عن استعادة صنعاء دون حسم ملف الجنوب؟ وهل تستطيع الحكومة خوض معركة كبرى فيما لا تزال خريطة السيطرة الداخلية منقسمة؟
الدور الإماراتي، عبر دعم ميليشيا الانتقالي ومشاريع الإدارة الذاتية في الجنوب، يظل عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل الدولة اليمنية. فبين معركة الشمال ومطالب الانفصال في الجنوب، تبدو وحدة اليمن مهددة من أكثر من اتجاه.
تصريحات وزير الدفاع تعكس طموحًا عسكريًا مشروعًا من منظور استعادة الدولة، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم التحدي. فالمعركة الحقيقية قد لا تكون فقط في أسوار صنعاء، بل في إعادة بناء جبهة وطنية موحدة قادرة على تجاوز صراعات الداخل والتدخلات الإقليمية، ووضع مصلحة اليمن فوق حسابات النفوذ والتقسيم.
اقرأ أيضًا : محكمة تونسية تُكرّس منطق العقاب السياسي بسجن قيادات النهضة أربع سنوات