في تصعيد عسكري جديد يعكس اتساع نطاق المواجهة الإقليمية، أعلنت إيران تنفيذ الموجة الثلاثين من عملية “الوعد الصادق 4”، مستهدفة مواقع داخل الأراضي المحتلة وقواعد أمريكية في المنطقة، في هجوم وصفه الحرس الثوري بأنه من أكثر الضربات تأثيراً منذ اندلاع المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي. الهجوم، الذي تميز باستخدام صواريخ انشطارية متطورة وطائرات مسيّرة استراتيجية، خلّف دماراً واسعاً في مناطق قريبة من تل أبيب، وأعاد طرح تساؤلات عميقة حول قدرة منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية على مواجهة الهجمات المركبة بعيدة المدى.
وأظهرت مقاطع مصورة متداولة لحظة وصول الصواريخ إلى أهدافها داخل الأراضي المحتلة، حيث بدت الانفجارات متتالية وقوية، بينما تحدثت مصادر إسرائيلية عن أضرار كبيرة في مدينة ريشون لتسيون جنوب تل أبيب، في وقت أقرت فيه الشرطة الإسرائيلية بأن بعض الأضرار نتجت عن قنبلة عنقودية، وليس مجرد شظايا صاروخية، ما يعكس طبيعة الذخائر المستخدمة في الهجوم.

موجة جديدة ضمن استراتيجية استنزاف طويلة
بحسب بيان الحرس الثوري الإيراني، فإن الموجة الثلاثين من العملية جاءت بالتزامن مع الإعلان عن قائد جديد للثورة الإسلامية، وحملت الرمز “علي ولي الله”، في إشارة رمزية تجمع بين البعد العسكري والسياسي في الرسائل الإيرانية الموجهة إلى خصومها.
وأكد البيان أن الضربات استخدمت مجموعة متنوعة من الأسلحة المتقدمة، من بينها صواريخ خرمشهر بعيدة المدى، وصواريخ فتاح الفرط صوتية، إلى جانب صواريخ خيبر التي تعمل بالوقود الصلب والسائل، إضافة إلى الطائرات المسيّرة الاستراتيجية.
هذا التنوع في وسائل الهجوم يعكس ما يبدو أنه تكتيك إيراني يعتمد على الإغراق الصاروخي، أي إطلاق أنواع متعددة من المقذوفات في وقت واحد لإرباك أنظمة الدفاع الجوي، وإجبارها على التعامل مع تهديدات متعددة بسرعات وارتفاعات مختلفة.
ويرى مراقبون أن تكرار هذه الموجات الصاروخية يؤكد أن طهران لا تتعامل مع المواجهة كضربة عسكرية محدودة، بل كحرب استنزاف طويلة تهدف إلى إنهاك القدرات الدفاعية للاحتلال وإرباك بنيته الأمنية.
الصواريخ الانشطارية.. سلاح يضاعف حجم الدمار
اللافت في الهجوم الأخير هو استخدام الصواريخ الانشطارية، وهي صواريخ تحمل ذخائر فرعية تنفجر في الجو لتطلق عدداً كبيراً من القنابل الصغيرة فوق منطقة واسعة.
هذا النوع من الأسلحة يضاعف من حجم الدمار مقارنة بالصواريخ التقليدية، إذ يمكن لذخيرة واحدة أن تضرب مساحة كبيرة، وتسبب أضراراً متعددة في وقت واحد، سواء في البنية التحتية أو المباني أو المركبات.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الأضرار التي لحقت بمدينة ريشون لتسيون تشير إلى أن الانفجارات كانت نتيجة قنابل عنقودية، وهو ما ينسجم مع طبيعة الصواريخ الانشطارية التي تحدث تأثيراً واسع النطاق.
ويشير محللون عسكريون إلى أن استخدام هذه الذخائر يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة الهجمات الإيرانية، لأنه يهدف ليس فقط إلى إصابة هدف محدد، بل إلى خلق حالة من الفوضى والصدمة داخل المدن الإسرائيلية.
الدفاعات الإسرائيلية تحت الضغط
الهجوم الأخير سلط الضوء مجدداً على الضغوط التي تواجهها منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تعتمد على أنظمة متعددة مثل القبة الحديدية، ومقلاع داود، ومنظومات اعتراض بعيدة المدى.
ورغم نجاح هذه الأنظمة في اعتراض عدد كبير من الصواريخ خلال السنوات الماضية، فإن الهجمات المركبة التي تجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والذخائر الانشطارية تجعل مهمة الدفاع أكثر تعقيداً.
فالصواريخ الفرط صوتية مثل فتاح، على سبيل المثال، يصعب اعتراضها بسبب سرعتها العالية وقدرتها على المناورة، بينما تؤدي الطائرات المسيّرة منخفضة الارتفاع دوراً في تشتيت الدفاعات وإجبارها على استهلاك المزيد من الصواريخ الاعتراضية.
ويرى خبراء أن استمرار هذا النمط من الهجمات قد يؤدي إلى استنزاف مخزون الصواريخ الدفاعية الإسرائيلية، وهو ما يشكل تحدياً استراتيجياً إذا طال أمد المواجهة.
رسائل إيرانية تتجاوز ساحة المعركة
لا تقتصر أهمية الضربات الإيرانية على الجانب العسكري فحسب، بل تحمل أيضاً رسائل سياسية واضحة. فإيران تسعى من خلال هذه العمليات إلى إثبات قدرتها على ضرب العمق الإسرائيلي رغم المسافات الجغرافية والأنظمة الدفاعية المتقدمة.
كما تحاول طهران توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن القواعد الأمريكية في المنطقة ليست بمنأى عن الاستهداف، وأن أي تدخل مباشر في الحرب قد يوسع نطاق المواجهة بشكل كبير.
وفي المقابل، يجد الاحتلال الإسرائيلي نفسه أمام معادلة معقدة: فالتصعيد العسكري الواسع قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة، بينما الاكتفاء بالردود المحدودة قد يفسر على أنه عجز عن ردع إيران.
حرب إقليمية تزداد تعقيداً
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع بين إيران والاحتلال دخل مرحلة أكثر خطورة، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على ضربات محدودة أو عمليات سرية، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة تستخدم فيها أسلحة استراتيجية متطورة.
ومع استمرار الهجمات الصاروخية الإيرانية وتزايد الأضرار داخل الأراضي المحتلة، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من التصعيد، قد تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.
فإذا استمرت إيران في استخدام الصواريخ الانشطارية والفرط صوتية ضمن موجات متتالية من الهجمات، فإن ذلك قد يفرض واقعاً أمنياً جديداً على الاحتلال الإسرائيلي، ويكشف أن التفوق العسكري الذي طالما اعتمد عليه لم يعد كافياً لحماية عمقه الاستراتيجي.
اقرأ أيضًا : اعتقالات أسطول الصمود تكشف تصاعد القمع السياسي في تونس